بويا عمر أو الاحتجاز المؤدى عنه

القائمة البريدية

إشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد الموقع .

يحظى بويا عمر في الثقافة الشعبية المغربية بمكانة خاصة، بين مقبل يستعطف بركاته ويطلب وساطته، ومعرض يعتبر ظاهرة اجتماعية تستمد شرعيتها من فراغات سيكولوجية متمركزة حول علاقة الشخص بقدراته ومحيطه، وخوفه الدفين من خبايا المستقبل.

عبد الرحيم العكزي

    بويا عمر: الإحتجاز المؤدى عنه
” بويا عمر” أو الإحتجاز المؤدى عنه “مساهمة متواضعة ” لإثارة انتباه الباحثين والأكاديميين والحقوقيين، وفتح النقاش حول التمثل الصحيح والإستراتيجية الناجعة لتقويم حياة ” النزلاء”، الذين نجهل عنهم الكثير، فبالرغم من تنصيص الدستور المغربي على حق الولوج للمعلومة، فلم نتمكن من الوصول إلى أرقام مضبوطة، فالموضوع جد حساس يرتبط بسمعة عائلات وبحياة أشخاص، وهذه إشكالة جد معقدة تواجه البحث العلمي.
ولد ” بويا عمر “الذي يقع ضريحه على بعد 30 كيلو مترا من مدينة قلعة السراغنة، وعلى مسافة 11 كيلو مترا من مركز العطاوية، خلال العقدين الأخيرين من القرن 16 عشر الميلادي، وظل أميّاً إلى أن بلغ الأربعين من عمره، حيث شدّ الرحال لتحصيل العلم بزاوية ” تامكروت الناصرية” الّتي تقع على ضفاف وادي درعة بجنوب المغرب، إذ تتلمذ على يد مؤسسها “محمد بن إبراهيم الأنصاري”.
  الصرع- التخلص من مس الجن ووظائف علاجية أخرى في تخصص بويا عمر
ضريح بويا عُمر ، الذي يقع على تراب الجماعة القروية ” بويا عمر” شمال مدينة مراكش، وتبعد عنها ب 90 كلم، على تراب إقليم قلعة السراغنة، بتعداد ساكنة جماعية تناهز 15000 نسمة، يقصده الجماعة المغاربة لغايات سيكو/ سوسيولوجيا متعددة، أبرزها يقول أحمد أحد سكان البلدة: ” للصرع والتخلص من مس الجن، لعلاج الإدمان، وطلب الشفاء من العلل الخلقية الداخلية والخارجية” وهي في مجملها مطالب يضيف ذات المتحدث قائلا ” تعجز العلوم عن الاستجابة لها”، في ما تفيد تصريحات المشرفين على أن زوار الضريح ” يعانون من اليأس، خيبة الأمل، فقد الثقة، الخوف من المستقبل، وحب التملك الدنيوي، إنهم أقل إيمان وتدينا من غيرهم”.
لا نستطع إعطاء أحكام قيمية حول الاعتقاد الشعبي ” ببركة بويا عمر”، فلا هو عمل يقود إلى الجاهلية كما قيل، ولا هو عمل محرم دينيا، بل هو معطي تاريخي شعبي يحتاج إلى بناء علمي منظم ومقاربة حقوقية إنسانية، وحتى ذلك الحين، لا بد من الإشارة إلى أن سكان الجماعة، وجدوا في الضريح فرصة للاستثمار، فكل منزل يستقطب نزلاء من مناطق مختلفة قصد العلاج، يقول ( ل-ح )، وهو مشرف على منزل يضم 19 نزيلا ضمنهم (40 % من أبناء مغاربة الخارج)، ” نحن الشرفاء لا نعرف أين الشفاء، بل نساعد الأسر على التخلص من مرضاها “، مضيفا قوله الدارج ” كنهنيوهم منهم وكيشريو راحتهم”، فبعد ما وصلت الحالات إلى مستوى جد متقدم من فقدان السيطرة النفسية والحركية والضبط الاجتماعي، وخرجت عن سياق الضوابط الاجتماعية، ولم تعترف بقهريتها وخارجيتها عنها، اضطرت الأسر إلى احتجازها لدى أسرة من بين الأسر التي تُعرف “بالطهلية” بعد اتفاق حول مقابل شهري يبدأ من 1200 درهما للنزيل الأكثر فقرا.

الدولة في قلب الحجز للمرضى
حول مواكبة الدولة لهذه القضية، تتوفر الأسر على بطائق مقدمة من طرف سلطات الإقليم، تتضمن معلومات حول النزيل والذي أنزله وتاريخ النزول وخروجه والبصمة …، وعن العلاج أو الخدمات البديلة للعلاج، والمتوفرة بعين المكان ” يأتينا طبيب مرة كل 6 أو 7 أشهر يطلب كرسي ومعلومات عامة على كل حالة وغالبا ما يسأل النزيل بماذا تحس؟، وحيث أن 80% من النزلاء تجرد من الإحساس فهم غالبا ما يعرضون عن الطبيب ويتركونه لحاله”، وعن سؤال كيف يتعامل الشرفاء، أبناء وحفدة بويا عمر، مع خروج بعض الحالات عن الوضعيات العادية والمألوفة؟ لم يصرح مباشرة، بكون “القرقوبي والقلابة” وسائله الخاصة التي تطوع وتُعقل النزلاء”، “فالمشرف على الدار شيخ قاس والنزيل مريد يطلب الرفق” يقول ( ل-ح ).
تحول ” بويا عمر ” من ضريح تلجه بعض الفئات الاجتماعية، إلى مكان للإحتجاز المؤدى عنه، يطرح إشكالات ذات طبيعة حقوقية وعن نصيب المحتجزين ” الحمق” من رعاية الدولة؟ فهل نزلاء بويا عمر غير معنيين بالإصلاحات الديمقراطية والحقوقية التي تحاول الحكومة المغربية تسويقها للمنتظم الدولي؟ ألا يتوفر المغرب على خدمات كفيلة بالمواكبة النفسية والاجتماعية لتلك الحالات؟.، أسئلة من بين أخرى تبقى الإجابة عنها رهينة الإختيارات التي تتشوف إلى تجسيد الخيار الدستوري القائل بحق الصحة للجميع، والذي أمام انتظارات التفعيل، يقوم التخريف واللاعلمية المصاحبة العلاجية ب ” بويا عمر ” كما في غيره من أضرحة ” الشرفا ” بالمغرب، أمكنة احتجاز مؤدى عنها، إلى حين بلورة المسؤولين لمبدإ ” الحق للجميع في الصحة “.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.