صحافة الغرب وصحافتنا …!

القائمة البريدية

إشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد الموقع .

استغرق الباحثون والمتخصصون طيلة السنوات الأخيرة في مناقشة مستقبل الصحافة الورقية، واعتبر الكثيرون أنها تلفظ أنفاسها، ويعتبر خبراء أن نمط تداول الأخبار المطبوعة لم يعد مجدياً من الأساس سواء بالنظر إلى عامل التكلفة الاقتصادية أو من وجهة نظر الاعتبارات البيئية، ناهيك عن صلتها المقطوعة تماماً مع الأجيال الجديدة. وفي جميع الأحوال نلحظ أن النقاشات جميعها تفصل بين الصحافة كمهنة من ناحية، وشكلها أو قالبها أو الوعاء الحامل للمحتوى الصحفي من ناحية ثانية، حيث ينصب الجدل على الوعاء بالأساس سواء كان تقليدياً او الكترونياً.
يحاول الباحثون الاجتهاد في ايجاد مخارج لانقاذ مستقبل الصحافة الورقية، او بالأصح منحها جرعات أوكسجين إضافية لانعاشها وابقائها مزيد من الوقت على قيد الحياة، ومن ذلك القول بأن الصحف الورقية ستظل تحتفظ بميزة الخبر الموسع، باعتبار أن مستخدمي المواقع الالكترونية لا يهتمون غالباً سوى بالعناوين والفقرات الأولى من الأخبار والقصص الاخبارية، وهي ـ للموضوعية ـ مبررات غير مقنعة لأن التدفق الاعلامي الالكتروني هائل لدرجة لم تعد تسمح لأحد بمتابعة قصص اخبارية موسعة سواء عبر الانترنت أو عبر النمط الورقي التقليدي للصحافة.
أول صحيفة دخلت بالكامل عالم الانترنت كانت صحيفة “امريكان ريبورتر” في عام 1995، والآن يوجد مايفوق 10 آلاف صحيفة يومية الكترونية بالكامل في العالم، والعدد يزيد بوتيرة متسارعة جدا. وفي عالمنا العربي، كانت صحيفة “ايلاف” الالكترونية أول صحيفة عربية من هذا النوع، وانطلقت في عام 2001، وهناك انتقال عربي متسارع أيضا من عالم الورق إلى الفضاء الالكتروني بشكل متواز أو كامل.
المؤشرات على هذا الصعيد واضحة وتعكس توجهاً عالمياً عاماً نحو التخلي عن الورق في عالم الصحافة، ولكن المفارقة التي حملتها الأيام الأخيرة أنه بعد نحو أسبوعين من الإعلان عن توقف النسخة الورقية من صحيفة “الاندبندنت” البريطانية الشهيرة، أعلنت مجموعة “ترينتي ميرور” عن إطلاق صحيفة ورقية، هي الأولى من نوعها في بريطانيا منذ ثلاثون عاما!!
إطلاق صحيفة ورقية في هذه الأجواء والظروف وعوامل التحدي التي تتضافر في مجملها ضد الصيغة التقليدية للصحافة، يمثل بحد ذاته تحد مهني مثير ولافت للانتباه، ويستحق المتابعة، فصحيفة “نيو داي” التي تتوافر في الأسواق البريطانية اعتباراً من نهاية شهر فبراير الماضي، هي صيغة جديدة من الصحافة الورقية، وهي تمثل نوع من الابتكار المهني ليس فقط لأنها جديدة تبحث عن شريحة مدروسة بعناية من القراء، بل أيضاً لأنها اختارت البقاء على الورق فقط من دون موقع الكتروني، والاكتفاء بالوجود على وسائل التواصل الاجتماعي من أجل الانتشار والتوسع، لا من أجل أن يكون لها وجود مواز للنسخة الورقية.
أعجبني بالأساس التحدي الذي تحدثت به اليسون فيليبس رئيس تحرير الصحيفة الجديدة، التي تبدو مقتنعة بأن جزء من تراجع مبيعات الصحف الورقية لا يعود لفقدان الورق بريقه كوعاء حامل للمحتوى الصحفي، بل لأن هذا المحتوى لا يلبي تطلعات شريحة معينة من القراء، ومن ثم فهي تعتقد أن “نيو داي” تستهدف هذه الشريحة وتخاطبها وتستطيع جذب انتباهها مجدداً ودفعها إلى شراء صحيفة ورقية!!
تراهن الصحيفة البريطانية الجديدة على استعادة شريحة معينة من بين مليون شخص توقفوا عن شراء الصحف في بريطانيا خلال العامين الأخيرين، وتستحق تجربتها المتابعة البحثية والعلمية لأن الكثير من الصحف والمجلات تتجه بوتيرة عالية إلى الاكتفاء بالبقاء في عالم الانترنت، وآخرها “ذي اندبندنت” ـ كما ذكرت سالفاً ـ التي شهدت مبيعاتها كثير من التراجع في السنوات الأخيرة، واضطرت إلى الاكتفاء بالنسخة الرقمية اعتباراً من 26 مارس الجاري.
“اللافت أن “ذي اندبندنت” تحولت إلى الفضاء الالكتروني وهي تحقق مبيعات تبلغ نحو 55 ألف نسخة يومياً، وهي أرقام حقيقية، وليست مزيفة ولا تخضع للتلاعب كما يحدث في كثير من الحالات بدول أخرى، في حين أن هناك مجلات وصحف عربية لم يعد لها وجود حقيقي في عالم الصحافة، سواء الورقية أو الالكترونية، ولا تزال تواصل الصدور لمجرد البقاء، أو حتى لأنها مثقلة بعشرات الصحفيين المعينيين في وظائف “حكومية” تحول دون مجرد التفكير في وقف الاصدار، أو تقليص الاعداد، ناهيك عن الاكتفاء بنسخة الكترونية، والأمثلة على ذلك بالعشرات بل المئات في عالمنا العربي!!.
هناك قناعة لدى الكثير من المسؤولين والمعنيين العرب بأن الصحافة بحد ذاتها قوة ذاتية، أو قوة ناعمة كما يحلو للبعض وصفها، ولا يمكن بالتالي التخلي عنها أو التفكير في إعادة هيكلتها، ولاسيما في ما يتعلق بنمط الاصدار وطبيعته، وبالتالي تغرق الكثير من الأسواق يومياً بكم هائل من الصحف والمجلات، التي تفتقر إلى التأثير الجماهيري، ولم يعد توزيعها يذكر سوى من خلال الاشتراكات الحكومية “الاجبارية”، وأصبحت النسخ “المرتجعة” منها تقترب من اعداد النسخ المطبوعة ذاتها، حيث أصبح الحديث عن أرقام التوزيع في بعض الحالات بمنزلة “سر حربي” خشية انهيار نصيب الصحيفة أو المجلة من “كعكة” الاعلانات !!.
صحيح أن الصحافة أحد ركائز القوة الناعمة الثقافية للدول، ولكن تحول نمط القوة من ميزة إلى عبء يرهق الميزانيات العامة، يمثل تساؤل بحاجة إلى إجابات مقنعة!!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.