اول مطلب للجماهير

القائمة البريدية

إشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد الموقع .

 

وائل قنديل

“قفل سفارة وطرد سفير” كان هذا هو الشطر الثاني من أعذب بيت شعر، شعبي، يردده المتظاهرون المصريون، ضد العدو الصهيوني. على مدار أربعة عقود، منذ ذلك اليوم المشؤوم الذي ارتفع فيه علم العدو فوق بناية شاهقة، تقف عند الأمتار الأولى من أرض محافظة الجيزة، بعد نهاية كوبري الجامعة، الرابط بين ضفتي النيل، قادماً من القاهرة، باتجاه الجيزة، كان هذا الهتاف يدوّي في كل التظاهرات والفعاليات الغاضبة، فتوضع كل قوات الأمن بحالة استنفار، وتغلق المنافذ المؤدية للسفارة، وتشدد الحراسات. وكان منتهى التألق لهذا الغضب النبيل، قبل أربعة أعوام، وأربعة أسابيع، وتحديداً في ذلك المساء الثوري، 20 أغسطس/آب 2011، حين زحفت الجموع الهادرة صوب مبنى سفارة العدو، وانفلقت عيوناً للهتاف ضد التطبيع، وبرز شاب مصري، اسمه أحمد الشحات، تسلق طوابق العمارة المرتفعة، حتى وصل إلى حيث علم العدو، مرفوعاً على سفارته، ونزل به، لتتلقفه الحشود، وتحتفل بحرق العلم، لتغلق السفارة بعدها، ويرحل السفير مطروداً. http://youtu.be/61WbNLasB54 مرت أربع سنوات على هذه الملحمة الجماهيرية التي جسدت البُعد الأنبل، في ثورة يناير، وأزالت الغبار والطلاء الكريه الذي وضعه حسني مبارك على الضمير الوطني، حتى جاء عبد الفتاح السيسي، ليعيد سفير الكيان المحتل، ليدنس العلم سماء القاهرة مجدداً، في اللحظة التي تنشط فيها الميديا السيسية، في قولبة المقاومة الفلسطينية، حماس، عدواً للنظام المصري، وتتغزل في الحليف والصديق الصهيوني الذي لا يدع نظام السيسي مناسبة تمر، إلا ويقدم على خطوة أو بادرة، تؤكد طاعته وولاءه للمشروع الصهيوني في المنطقة. لا أعرف أين الشاب أحمد الشحات، الآن، غير أني أدرك، تماماً، أن أي “أحمد شحات” يفكر في اجتراح البطولة، والتعبير عن الشعور الوطني الحقيقي، هذه الأيام، سوف تقطع رأسه، وسيلقى مصير سليمان خاطر وسعد إدريس حلاوة، وغيرهما من سلال الغضب العارف بمن هو العدو، ومن هو الأخ. حين فعلها الشحات، تسابقت قبائل السياسة وعشائر الأحزاب المصرية، لإثبات نسبه بها، غير أنه لم يكن حزبياً، أو سياسياً، كان فقط كما وصفته في ذلك الوقت، بروميثيوس الذي أوقد شعلة الضمير، وقلت:    إنها المرة الأولى، منذ تدنست سماء القاهرة بعلم الصهاينة، أن يتمكّن أحد من إنزاله ودهسه بقدميه وحرقه في مشهد سيسجله التاريخ في صفحات كتاب الإبداع المصري المذهل، وسيخرج عليك أحد الراقدين على بيض الواقعية البليدة، ليقول لك، ببرود هائل، إنه شاب أخرق، يعرّض بلاده للخطر، ويضعها فى ورطة دبلوماسية، فلا تعطه أذنيك، لكي يحشوهما بقطن الحكمة والكياسة المجمدة، وتذكّر فقط أن واحداً من شباب مصر الرائع لامس سقف المعجزة بيديه، وردّ بعضا من الكرامة المهدرة، ولو بطريقة رمزية. ما يهم هنا هو المعنى والدلالة البليغة، على أن عروق مصر لا تزال تنبض بالعزة والكرامة، وأن مصر التي لم تستطع حكومتها أن تصمد أكثر من خمس ساعات أمام الوقاحة الصهيونية، بعد بيان سحب السفير، هي نفسها مصر التي حملت وولدت شابا تسلق جدران المستحيل، وارتقى إلى سدرة منتهى الحلم، وأنزل علم العدو من عليائه، لتحمله الجموع الغاضبة على الأعناق، وتهتف له الحناجر الطاهرة. وعليه، لم يعد أمامنا، نحن العرب، إلا أن نصنع جيلا جديداً يعرف الحدوتة، كما هي نقية وصريحة، ونعلمه كيف يكره إسرائيل، باعتبارها كيانا زرعوه في أحشائنا عنوة، ولم يك شيئا مذكوراً قبل قرار التقسيم عام 1947″. كان الناصريون يريدونه ناصرياً، والإسلاميون يريدونه منهم، قبل تلك السنوات الأربع، حين تنافس المتنافسون في تنظيم الوقفات والفعاليات الجماهيرية لتكريمه، أما اليوم فالإسلاميون في الشتات وظلام السجون، إلا هؤلاء “النوريون” الذين ترعرعوا في مخادع الأمن. أما الناصريون مشغولون بالحشد والهتاف لجزار سورية، يشدّون الرحال صوب سفارة القاتل ابن القاتل لإعلان التضامن والولاء والتأييد المطلق للمذبحة، تعطلت البوصلة، وضلت الأقدام الطريق لمحاصرة سفارة العدو، وامتلأت الحناجر بصديد الفاشية و”القومية الزائفة”، فلم تعد تهتف بـ “أول مطلب للجماهير قفل سفارة وطرد سفير”. في اليوم الذي يعيد فيه السيسي سفير العدو، يشغل ناصريوه أنفسهم بالهتاف لبشار الأسد، تشجيعاً له لقتل وتشريد المزيد.. ما زالت هناك أمتار أسفل الحضيض في انتظاركم.

 

 

عن مو قع العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.