فليكس ذاكرة بصرية من الزمن الجميل لمراكش

القائمة البريدية

إشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد الموقع .

عبد الرزاق  القاروني *

فليكس هو إسم الشهرة للفنان الفوتوغرافي الفرنسي فيرناندبيدون، من أصول يهودية. رغم رحيله عن عالمنا، منذ سنوات، يبقى خالدا في أذهاننا عبر الصور الجميلة والمفعمة بالحنين التي تركها عن مدينة مراكش، خلال النصف الأول من القرن العشرين.

ولد فليكس بمارسيليا يوم 26 أبريل 1883، وتوفي يوم فاتح ماي 1963 بمسكنه بزنقة ابن عائشة بحي جليز بمراكش. وكان يتوفر على استوديو خاص به بكل من رواق الكتبية وشارع مانجان، الذي أصبح يسمى بعد الاستقلال بشارع محمد الخامس.

خدمة تحت الطلب لفائدة الحماية الفرنسية بالمغرب

بدأ فليكس رحلته الفنية والفوتوغرافية بمراكش سنة 1913، حيث صور لفائدة المقيم العام لفرنسا بالمغرب الماريشال هوبير ليوطي العديد من المناظر الطبيعية والمعالم التاريخية لهذه المدينة، من أبرزها : قصر الباهية، صومعة الكتبية، مدرسة ابن يوسف، قبور السعديين، واحة النخيل، أسوار مراكش وجناح المنارة، إضافة إلى بعض المواقع الجبلية الخلابة المحيطة بهذه المدينة مثل آسني.

وفي إحدى الصور الجميلة التي التقطها هذا الفنان، خلال هذه السنة، من فوق جبل جليز، تبدو مراكش مدينة منبسطة ومترامية الأطراف، في منظر عام وبانورامي، لا يحده إلا الأفق، تتوسطه صومعة الكتبية التي تحيط بها، من هنا وهناك، البساتين الفيحاء والحدائق الغناء التي لم تمزق عذريتها بعض الأحياء الجديدة، مثل حي جليز.

بداية الشهرة مع تسويق المنتوج الفوتوغرافي

مع مطلع صيف 1915، شرع فليكس في تسويق صوره التذكارية عن مدينة مراكش، مخلفا صدى طيبا لدى الدوائر المهتمة بالشأن التوثيقي والفعل الإبداعي، مما جعله يقوم سنة 1916، بطرح مجموعة ثانية من هذه الصور للعموم، مركزا فيها على المشاهد اليومية، مثل:ساحة جامع الفنا، ثكنات جبل جليز، بائعو الخبز، سوق الخردوات، الأعياد الدينية، مراكش خارج الأسوار، سوق الحبوب، علاوة على منتزه الألعاب والترفيه للصغار.

ومن خلال هذه الصور، ورغم نير الحماية الفرنسية ونيران الحرب العالمية الأولى المشتعلة في مختلف أرجاء المعمور، تبدو مدينة مراكش مدينة خارج الأحداث، مدينة متمنعة، تعيش حياتها بانسيابية وسلاسة تامتين، لا شيء يعكر صفوها وبهجتها وكأنها في حالة سلام ووئام مع الذات والآخر.

مراكش النخيل والأزقة الضيقة والمتعرجة، مراكش الأولياء والحكايات الشعبية التي لا تنتهي، مراكش العتيقة، مدينة التاريخ والأمجاد والملاحم الخالدة التي كانت عاصمة لإمبراطوريات عظيمة، بدءا بالمرابطين والشخصية المهيبة لأمير المسلمين يوسف بن تاشفين، بطل معركة الزلاقة، ومرورا بالموحدين وسلطانهم المقدام يعقوب المنصور الموحدي، رمز معركة الأرك وباني مساجد الكتبية بمراكش، وحسان بالرباط والخيرالدا بإشبيلية، وانتهاء بالسلطان أحمد المنصور الذهبي، فاتح بلاد السودان والسد المنيع ضد الزحف العثماني في المغرب العربي.

الصورة وخطاب الأمن والسلام

الصورة ليست بريئة، هي سلاح دعائي ذو حدين. وحسب الفيلسوف الصيني كونفوشيوس:”الصورة تساوي ألف كلمة”، فهي خطاب بصري يتميز ببلاغته الرمزية وطبيعته الاختزالية المحضة، ونافذة ذات سطوة تعبيرية كبيرة، توحي بالشيء الكثير بقليل من العناصر والمكونات البصرية؛ وكما يقول الصوفي العربي النفري: “كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة”.

فخلال الفترة الممتدة ما بين 1915 و1917 بينما كانت رحى الحرب العالمية الأولى تدور بشراسة في مختلف بقاع العالم، مرر فليكس خطابا بصريا هادئا عن مراكش، تبدو من خلاله هذه المدينة فضاء للسلام والأمن، حيث يعم الهدوء والطمأنينة في جميع أحيائها وأسواقها؛ وهذا الخطاب البصري البريء أو الموجه، وإن كان يخدم المصالح العليا للإقامة العامة الفرنسية بالمغرب، فإنه، على العكس، من ذلك يكشف لنا عن فنان فوتوغرافي متمرس ومتعطش لاقتناص الصورة، في بعدها الإبداعي، ومن مختلف الزوايا والأمكنة، فهو ليس مصور حرب، وإنما إنسان مرهف يخلد اللحظات الجميلة،عبر عدسة آلة التصوير،بإحساس كبير وشحنة انفعالية مفعمة بالانفتاح وحب الآخر.

وعن هذه الفترة الحرجة من تاريخ المغرب المعاصر، خلف لنا فليكس صورا أخاذة، بالأبيض والأسود، تعبر عن هذه الأجواء، من بينها: بانوراما باب دكالة، واحة النخيل،حدائق أكدال والمامونية، جبل جليز، أسطح المنازل بمراكش، الثكنات الجديدة بهذه المدينة، شارع طريق الدار البيضاء، مشاهد من حلقات جامع الفنا، رياض الزيتون الجديد، سوق الغزل، القصابين، مقر البريد بساحة جامع الفنا، المستشفى العسكري ميزوناف الذي كان يطلق عليه المراكشيون إسم “مستشفى أكدال”، وشارع جليز الذي سمي تباعا شارع مانجان وشارع محمد الخامس.

فيلكس وفن البورتريه

برع فليكس في فن البورتريه، حيث أنجز صوراشخصية للعديد من الناس البسطاء الذين قابلهم في أزقة وشوارع مدينة مراكش. وتتميز صوره، في هذا المجال، بتمكنه الكبير من تقنيات هذا الصنف من التصوير، مثل بورتريه الطفلة صاحبة الخلخال، والشابة البربرية “فاطمة” بزيها التقليدي وابتسامتها الطفولية ونظرتها المحتشمة، والشيخ اليهودي المنحني على عكازه، والرجل الأسود ذي النظرة الصارمة بجلابيبه المتعددة، والمرأة ذات الضفيرة المنسدلة على صدرها، ، والمرأة الشابة المحتمية بسقيفة المشربيات،ومدخن الكيف بهيئته الغريبة، وكأنه شخصية هاربة من إحدى الحكايات الشعبية بساحة جامع الفنا. وهذه الصورهي خزان ثمين وغني بالمعلومات للمهتمين بالدراسات الأنتروبولوجية والاجتماعية حول مغرب النصف الأول من القرن العشرين.

شهادة وفاة تختزل الفن في مجرد نشاط تجاري

من خلال رسم وفاة فليكس الذي وقعه برونو راديوس، القنصل العام وضابط الحالة المدنية للسلطات الفرنسية بمراكش، وقتئذ، يثير الانتباه تصنيف هذا الفنان ضمن زمرة التجار، وهذا ناتج، فيما يبدو، عن كون فرنسا ما بعد الحرب العالمية الثانية تعتبر العمل الفوتوغرافي الذي يزاوله رعاياها بمستعمراتها ومحمياتها مجرد عمل تجاري لا يرقى بعد،إن لم نقل لدرجة الفن، فعلى الأقل لمستوى التصوير الفوتوغرافي المحض. ونظرا لكون هذا الفنان لا يحب الأضواء، فانه كان يتورع عن ادعاء الانتساب لمدارج وطبقات الفن والإبداع، ويعتبر نفسه تاجرا للفن، من خلال البطاقات التذكارية التي كان ينتجها ويسوقها عن مراكش ونواحيها.

منشورات بصرية راقية من توقيع فليكس

بحلول سنة 1920، ومن أجل إغناء تجربته الفنية، جرب هذا المبدع الألوان من خلال إنتاج مجموعة من البطاقات التذكارية حول مدينة مراكش، تتميز بعدم الركون لبساطة التناظر في الصورة، بهدف التركيز أكثر على عمق المشاهد. وفي أواسط الثلاثينيات من القرن الماضي، ونزولا عند رغبة شريحة عريضة من زبنائهمن المستوى الرفيع، استعمل ورقا من النوع الجيد في طباعة الصور التذكارية، مع تضمينها إشارات تعريفية بها في خلفيتها. وضمن هذه الباقة من الصور التذكارية، أصدر فليكس صورا التقطها خلال الفترة الممتدة مابين1913 و1936، تحت الاسم الموحي”منشورات الفن فليكس”، بعدما كان ينشر صوره فيما قبل، تحت عنوان “فليكس، ناشر صور”.

عمل فليكس نصف قرن في مجال التصوير الفوتوغرافي والفني، وترك ثروة بصرية غنية ومتنوعة، فأغلب الصور المتداولةعن مراكش، منذ بداية التواجد الفرنسي بالمغرب وإلى مطلع ستينيات القرن الماضي، ترجع لهذا الفنان الفوتوغرافي، وهذه المدينة مدينة له بتوثيق جوانب مهمة من فضاءاتها ومشاهدها اليومية التي اندثرت في اللباس والعادات والمباني والمناطق الخضراء، إضافة إلى الترفيه وصناعة الفرجة، فلولا هذا الفنان لما تمكنا من أن نعيش، بطريقة استرجاعية، لحظات تاريخية ومنفلتة من الزمن الجميل لمدينة مراكش.

*عبد الرزاق  القاروني، صحفي وباحث مغربي

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *