عبد الله العلوي بكتب: جــمــاعــة مـخـالـفة وجـمـاعـات مجـذفـة

القائمة البريدية

إشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد الموقع .

توطئة:

كان للفرق الإسلامية، أو التي تأثرت بالإسلام، أو التي حاولت التأثير عليه، من خلال جماعات تستند إلى عقائد كونية أو وثنية، وهدمه من الداخل بدعوى تحقيق العدالة، ومحاربة الذين استولوا على السلطة بالغصب في رأيهم- كان لهذه الفرق-التي يزعم البعض أنها تجاوزت السبعين فرقة- دور هام في التأريخ الإسلامي، حتى أن البعض اعتبرها علامات فارقة إيجابية تأثرا بالاستشراق أو بالماركسية، في محاولة لإقحام هذا الفكر باعتبار هذه الجماعات نواة اشتراكية، وهو ما لا يستقيم مع ظرفية نشوء هذه الفرق، وما قامت به من مذابح وانتقام، وكما فعل الزنج أو القرامطة. وهناك فرق أخرى تأثرت أو تأسست في أرض الإسلام، لكنها خرجت من الشرق ومن الدين ككل إلى الكفر مثل البهائية. وفرق أخرى تأثرت ببعض مظاهر الإسلام، مثل السيخية في الهند، والقاديانية في باكستان والهند.

وقد حاولت في هذا البحث التركيز على جماعات: لازالت موجودة كالإسماعيلية، والبهائية، والدروز، والنصيريين، والسيخ، والقاديانية، وهي جماعات أو فرق مجمع على خروجها من الإسلام وكفرها وإلحادها، وأخرى اندثرت مثل البابية والبورغواطية لعلاقة الأولى بالبهائية، ولارتباط الثانية بالإسماعيلية.

كما وضعت مقدمة عن الظروف التاريخية والعقائدية للشيعة ممثلة في الإمامة الإثنا عشرية، وهي جماعة إسلامية ذات بعد رفضي / سياسي، والله من وراء القصد.

مقدمة

كان لظهور هذه الجماعات تأثير عام في مراحل مختلفة من التاريخ الإسلامي،  فقد نشأت بعد ظهور الإسلام ووفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، واختلاف الصحابة حول من يتولى الخلافة أو السلطة بعده. وبعد اجتماع سقيفة بني ساعدة في 632م، اتفقت غالبية الحضور من الصحابة على إسناد أمر الخلافة إلى أبي بكر الصديق –ض– بدل الإمام علي ابن أبي طالب –ض– الذي لم يحضر اجتماع السقيفة لاشتغال بني هاشم بجنازة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومما زاد الصراع احتداما إثارة أبي بكر الصديق النزاع حول بستان فداك، وهو حقل اشتراه الرسول عليه الصلاة السلام لابنته فاطمة الزهراء –ض– نظرا للصعوبة التي كانت تواجهها معاشيا، فكلفت به شخصا على أساس اقتسام المنتوج، إلا أن أبا بكر-ض- صادره بدعوى أن الأنبياء لا يورثون. وزاد الصراع حدة الخطبة التي ألقتها فاطمة الزهراء -ض- من على المنبر بالمسجد النبوي وذكرت فيها أن أبا بكر –ض- ليس أهلا للخلافة. وقد توفيت بعد ستة أشهر وأوصت بدفنها ليلا، حتى لا يحضر خصومها (وعلى رأسهم أبو بكر وعمر -ض-) جنازتها. بعد هذه المرحلة خرجت إلى الوجود جماعتان: الأولى تمسكت بأحقية علي بن أبي طالب “ض” بالخلافة اعتبارا لمزاياه الشخصية ولقربه من الرسول عليه الصلاة والسلام، واستنادا إلى حديث الغدير الذي جاء فيه:«من كان علي مولاه فأنا مولاه»، ويروى الحديث بصيغة أخرى عند الإمامية «علي مني وأنا من علي وهو وليكم بعدي». وقد استدل فقهاء الإمامية على ذلك بما جاء في سورة المائدة: «إنما وليكم الله ورسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون» سورة المائدة الآية 55. واتفقت الإمامية على أنها نزلت في الإمام علي –ض-، بينما اعترض البعض من أئمة السنة و على رأسهم الإمام ابن تيمية الذي أكد أن الآية غير مخصوصة بدليل عموميتها، قائلا في منهاج السنة «…. وأجمع أهل العلم بالنقل على أنها لم تنزل في علي بخصوصه، وأن عليا لم يتصدق بخاتمه في الصلاة».

أما الجماعة الثانية فقد اعتمدت قاعدة الأغلبية الحاضرة في اجتماع سقيفة بني ساعدة، وكون الرسول عليه الصلاة السلام والقرآن الكريم لم يضع أي منهما الخلافة في علي، وإنما “ترك أمرهم شورى بينهم”.

لقد كان هذا بداية فلسفة التأويل، التي تطورت مع بعض الجماعات الأخرى إلى تأويلات منافية للإسلام فيما بعد. ورغم ذلك، فإن هذه المرحلة تميزت بكون الصحابة حافظوا على تواصلهم و اتفاقهم على الحد الأدنى، مراعاة لصعوبة المرحلة و اتقاء لأي خلاف قد يؤدي إلى فتنة، ومع ذلك فإن وجود الحزبين قد استمر و استمر معه خلافهما. فحزب علي بن أبي طالب “ض” كان من أعضائه الكبار أبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، والمقداد بن الأسود، وعبد الله بن عباس، وعمار بن ياسر “ض” وغيرهم. وحزب أبي بكر الصديق “ض” كان من كبار رجاله: عثمان بن عفان، وعمر بن الخطاب “ض“، وآل سفيان، وبنو حرب، الذين كانوا قد هجَّروا الرسول عليه الصلاة والسلام من مكة، وانخرطوا بعد انتصار الإسلام بقوة مستفيدين من هذه الخلافات للاستيلاء على السلطة فيما بعد.

كان هذا الخلاف النواة الأولى التي أدت، بعد توسع دار الإسلام واعتناقه من شعوب مختلفة، وسيطرة الدولة الإسلامية على مقاليد السلطة في بلدان عديدة. واشتد الخلاف مع نشوء دولة بني أمية بعد اغتيال الخليفة عثمان، والإمام علي، والحسن والحسين وغيرهم (في ظروف غامضة أحيانا ظاهرة أخرى مثل قتل الحسين في حرب الكوفة)، وإنشاء معاوية لولاية العهد، مما منح حزب الشيعة قوة أكبر للدفاع عن أفكاره و جمع المعارضين لحكم بني أمية، وبعدهم بني العباس. وصار الشعار هو جمع المستضعفين في الأرض لمواجهة طغاة بني أمية وبني العباس الذين استولوا على السلطة غصبا و ابتعدوا عن قيم الإسلام، فتطور التأويل، واختلاق الأحاديث. ودخلت أفكار جديدة مع دخول شعوب ذات حمولة فكرية و فلسفية للإسلام، محاولة تدميره من الداخل واستغلال هذا الخلاف لأغراض سياسية أو عقائدية من طرف جماعات أخرى.

هذا الخلاف كان بين فريقين، كلاهما جزء من الإسلام، وخلال هذه المرحلة دارت حرب الجمل بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان، ومقتل الإمام علي –ض– من طرف الخوارج، والإمام الحسين من طرف الأمويين. وفي سنة 148 هـ، وبعد وفاة الإمام جعفر الصادق -سادس الأئمة الشيعة- أنكر جزء من الشيعة تولي موسى الكاظم الإمامة بعده، وقد كانوا يعتبرون الإمام هو إسماعيل بن جعفر الصادق الذي توفي في حياة والده، فانتقلت الإمامة من (من إسماعيل) إلى ابنه محمد. ويظهر من خلال الأحداث التاريخية أن هذا الأمر لم يكن ذا أهمية بالنظر إلى قلة عدد أتباع إسماعيل بن جعفر الصادق، وإنما استغل الخلاف حوله لتوسيع دائرة الصراع والنزاع، و هدم المؤسسات الإسلامية سواء كانت سنية أو شيعية. وكان من أوائل الذين استغلوا هذا الخلاف، ووضعوا أفكارا جديدة تستمد قوتها من العقائد السابقة على الإسلام خاصة المزدكية والهندوسية، وحتى بعض الأفكار المسيحية واليهودية ميمون بن قداح. كان هذا الشخص يحاول عبر هذه الأفكار هدم الدولة الإسلامية، باستغلال الخلاف الشيعي/ السني، ثم الشيعي/ الشيعي، لوضع أفكار مرتكزة على عقائد قديمة. ولما كان الكثير من الشعوب التي دخلت الإسلام لا تزال تحمل بعض الأفكار السالفة من عقائدها، وتعاني من بعض التصرفات اللاإسلامية فيما يتعلق بالوضع الاجتماعي والاقتصادي، فإن هذه الأفكار تحولت إلى عقيدة لدى بعض الجماعات، عززها إخوان الصفا بكتاباتهم، التي تأثر بها الكثيرون علما أنه (أي إخوان الصفا) لا علاقة لهم بالإسلام، وهم أربعة أو خمسة أشخاص: أبو إسحاق الصابي، ويحي بن عدي، وأبو سلمان السجستاني، وماني المجوسي أو الزراديشتي.

وقد تطور التأويل مع ظهور هذه الأفكار وأصبح للآيات والأحاديث معانٍ ظاهرة ومعانٍ خفية أو باطنية، وانخرطت جماعات مختلفة آمنت بهذه الأفكار لأسباب مختلفة، البعض (كالقيادات) من أجل السلطة، والأكثرية من أجل وضع حد للظلم الاجتماعي والاقتصادي، إذ أغلب الناس لا تهمهم الأفكار بقدر ما يهمهم الوضع المادي. وتختلف المراجع في تحديد شخصيات إخوان الصفا، فهناك من يقول هم: أبو سليمان البسطي، والحسن الزنجاني، وأبو أحمد النهرجوري، والعوفي، وهناك من يضيف شخصا آخر يدعى ابن أبي البغل وكان منجما. ويختلفون في تاريخ ظهورهم بين قائل إنهم ظهروا في القرن الثامن الميلادي، وقائل إن ظهورهم في القرن الحادي عشر الميلادي، ويبدو أنهم من القرن الثامن أما الجماعة التي ظهرت بعد ذلك، فهي مجرد منتسبة لأفكارهم مضيفة إليها، لأن مرحلة القرن الثامن هي مرحلة الأفكار والخلافات المذهبية والفكرية.

هذا وقد بدأت الأفكار الإسماعيلية، بالخلاف حول من يتولى الإمامة بعد جعفر الصادق، موسى الكاظم أم محمد بن إسماعيل؟ ثم التأسيس لأفكار جديدة. ودخلت جماعات لا علاقة لها أصلا بآل البيت، وادعت أنها من سلالة علي وفاطمة، وكان على رأسهم المهدي أحد دعاة الإسماعيلية، ادعى في البداية أنه من نسل عقيل بن أبي طالب، شقيق الإمام علي. ولكن بعد رحيله إلى افريقيا، وتأسيسه دويلة في جزء من الجزائر وتونس الحاليتين، اتخذ لنفسه نسبا جديدا، زاعما أنه من سلالة علي وفاطمة، وأسس أبناءه الدولة الفاطمية بعد سيطرتهم على مصر، التي بقيت سنية رغم ذلك. ولقد تم تأسيس الدولة الإسماعيلية الأهم في العالم الإسلامي، والتي لاعلاقة لها بآل البيت إلا باستغلال الاسم. علما أن حسن الصباح –توفي في 1142م– أسس هو الآخر دويلة إسماعيلية صغيرة في إيران في منطقة تدعى “آلمُوت” أو عش النسر، وكان ذلك بعد الخلاف الذي تجدد بين المستعلي ونزار، حول من يتولى الخلافة أو الإمامة منهما، فبعد وفاة الخليفة الفاطمي المستنصر في 1094 م، انقسم الإسماعيليون بين من أيدوا ابنه الأكبر منصور نزار، ومن أيدوا أخاه المستعلي بالله، الذي تولى الخلافة رغم أن المستنصر أوصى بخلافة نزار كما تذكر مصادر الذين عارضوا المستعلي بالله، واسمه قبل الخلافة أحمد أبو القاسم. وقد تمكن نزار من أن يعلن نفسه خليفة في مدينة الإسكندرية التي لجأ إليها في 1095م، ولقب نفسه المصطفى لدين الله، إلا أنه انهزم في معركة في نفس السنة وتم اعتقاله ثم قتل. وعلى إثر هذا انشقت جماعة ورفضت خلافة المستعلي بالله متمسكة بأن الخلافة لنزار، منهم جماعة حسن الصباح الذين حكموا آلموت، وتجاوزوا مبدأ الخلافة واعتبروا الأئمة فوق الأنبياء. وكان أحد خلفاء حسن الصباح واسمه حسن في 1164م، قد أعلن القيامة وألغى الشعائر. وقد أطلق على سكان آلموت اسم الحشاشين من طرف خصومهم، لأنهم يتناولون الحشيش ثم يأمرهم شيخهم حسن الصباح أو غيره بقتل واغتيال خصومه. وقد دخلت كلمة الحشاشين إلى اللهجات الأوروبية مع الحروب الصليبية -وأصبحت “أساسانAssassin –“، وكان خصومهم وغيرهم كالرحالة ماركو بولو –توفي في 1325– قد وصفوهم بالحشاشين، بيد أنهم لم يكونوا كذلك، وإنما يتعلق الأمر بعقيدة بلغت درجة القيام بأعمال الاغتيال بجرأة لا ينجو منها القاتل نفسه، فالتكوين وغسيل الدماغ والتربية، كلها تؤدي إلى قيام الشخص بأي فعل يطلبه زعيمه. وقد عرف التاريخ مثل هذه الأفعال في كوريا واليابان، وانتقلت إلى العصر الحديث فيما يعرف بالعمليات الانتحارية، وبعد مرحلة حسن الصباح، شهدت سوريا مثل ذلك بقيادة الاسماعيلي راشد بن سنان  –توفي في 1193 م-. الذي كان يبعث مبعوثيه لقتل خصومه، إذ حاول اغتيال صلاح  الدين الأيوبي وغيره من القيادات الإسلامية والصليبية، بنفس الطريقة التي وضع أسسها حسن الصباح في آلَمُوتْ.

وقد استغلت بعض القيادات في المنطقة ذلك لاغتيال بعض منافسيها، ونسب ذلك إلى الحشاشين. وكانت الجمهرة العامة من الناس تعتقد أن هذا الفعل (أي القتل بشكل انتحاري) لا يمكن أن يقدم عليه إلا شخص تم تخديره. وزادت القصص التي رواها ماركو بولو الذي مر بالمنطقة مع أبيه وعمه في طريقهم إلى الصين، من انتشار هذه الحكايات ذات الطابع المثير.

لقد توزع الاسماعيليون في عدة مناطق من العالم الإسلامي، واختلفت أسماؤهم في كل منطقة، فهم القرامطة في البحرين، وهم الفاطميون في مصر، وهم النزاريون في آلمُوتْ، وهم النصيريون في سوريا. وقد تم القضاء على القرامطة بعد قيامهم بالهجوم على مكة، وسرقة الحجر الأسود في سنة 930 م. وجرَوا عليهم عداء العالم الإسلامي بشكل نهائي، ولم يتعاطف معهم أحد بعد ذلك، رغم ادعاء كونهم حركة اجتماعية، فالواقع أنهم جماعة من الملاحدة ليس لهم فكر موحد ويعيشون فوضى فكرية ليس إلا.

كانت كل جماعة تتأثر بجغرافيتها الخاصة، وبالأفكار والعقائد القريبة منها جغرافيا. وكان للهندوسية، والمزدكية، والمسيحية، وحتى اليهودية، تأثيرٌ على تلك الجماعات في سياق معاداة الكل للدولة الإسلامية، سواء كانت أموية أو عباسية. وبالتالي صارت أفكارهم خليطا من عقائد و أفكار الجماعات، و الأفراد الذين انخرطوا فيها، وكانت هي في حاجة إلى المعارضين، ترضي كل من وقف في مواجهة الدولة التي تستغل الناس، و تستعبدهم وتستثني في المعارضة قاعدة توارث آل البيت الحكم، التي قادتها جماعات مختلفة لها أسس إسلامية واضحة مثل الزيديين (ثورة زيد بن الإمام زين العابدين)، والطالبيين (ثورات الطالبين كلهم)، اللذين كانوا يرفعون شعارات الإسلام والقواعد التي قام عليها، وهي توزيع الثروة على الجميع، وبناء دولة الإسلام على الشورى وحماية المستضعفين في الأرض مهما اختلفت أعراقهم ودياناتهم. وقد فشلت هذه الثورات، لكنها مع استمرارها أدت إلى تآكل دولتي الأمويين والعباسيين، وإلى تمزيق الإمبراطوريتين، وتأسيس دول إسلامية في مختلف الأصقاع تحمل نفس الشعارات.

تبقى الجماعة التي ظهرت إثر الخلاف الذي نشب حول الخلافة في سقيفة بني ساعدة. وهذه الجماعة هي المُرجئة، الذين اعتبروا الصحابة كلهم سواسية، يحظون برضا الله، و أرجأوا أمر محاسبتهم إلى يوم البعث أو يوم القيامة. وهذه الجماعة التي تقدم الإيمان على العمل، لم يخوضوا في الخلاف حول الأحق بالخلافة، ولم يتخذوا موقف تأييد لأي من الطرفين، وإن كان الموقف يصب في مصلحة الأمويين بشكل غير مباشر، وتعتبر المرجئة الأساس التاريخي لما عرف فيما بعد بالسلفية أو السنة عامة، ظهرت المرجئة في الجناح السني، واعتمدت أفكارها في توسيع تأييد الاتجاه الذي يرتكز على احترام السلف الصالح، واعتبارهم على حق في مجموعهم دون الخوض في الخلافات التي تؤدي إلى الانشقاقات.

وقد ظهر أيضا في الاتجاه الشيعي فكرٌ جديدٌ وضع أسسه الإمام زيد بن علي زين العابدين، عرف فيما بعد بالزيدية. كان الإمام زيد الأخ الأصغر للإمام محمد الباقر خامس الأئمة الإثنا عشرية. وكان مثل أخيه الأكبر شغوفا بالعلم، يحضر مجالس العلماء مهما اختلفت مشاربهم. وتتركز نظرية الإمام زيد على جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل وبيان ذلك أنه رغم أن علي بن أبي طالب –ض- هو الأفضل، فإن تفويض أمر الخلافة لأبي بكر وبعده لعمر –ض-…. مصلحة رآها الصحابة، خاصة أن الشيخين أبا بكر وعمر لم يتعمدا ظلم آل البيت، و إنما اجتهدا. ومعيار الخلافة هو العدل، فالشيخان أسسا خلافتهما على العدل والشورى بعكس بني أمية الذين ظلموا، ولا قياس مع وجود الفارق، واختيار الصحابة في السقيفة لا يقاس على غصب بني أمية للسلطة وظلمهم للناس، واستيلائهم على الثروات وعدم توزيعها على المستضعفين، وتعيين معاوية لابنه. لذلك آمن زيد بكون خلافة أبي بكر شرعية، وأن الإمام لا يشترط بالضرورة أن يكون من آل البيت، مادام محققا لشروط الشورى والعدل، وموافقة المؤمنين. أما  الإمامية الإثنا عشرية، فيعتقدون جزما أن الخلافة تحددت بأمر إلهي في الأئمة دون غيرهم، وتبعهم نظريا الإسماعيليون.

من هذا نستخلص أن الاتجاهين: السني و الشيعي الإثنا عشري، أسسهما آل البيت، وأضاف إليها فقهاء آخرون ومفكرون إضافات عديدة، حتى صارا اتجاهين متناقضين. في حين أنهما ينطلقان من منطلق ديني واحد، ولا يختلفان إلا في أمور سياسية، وفي بعض التفسيرات التي أساسها الخلاف حول الأحق بالسلطة. وكان للإمام زيد بن زين العابدين رأي جوهري في الموضوع، يعرف بالمذهب الزيدي، عرف طريقه إلى اليمن وبلدان أخرى، ويؤكد -كما سبق- على قاعدة المفضول والأفضل، وهو رأي كما يلاحظ أقرب إلى السنة، وأبعد من الإمامة الإثنا عشرية والاسماعيلية، يرفض مبدأ التوارث على حساب الشورى، وكون الأئمة معينين إلهيا كما تذهب الإمامية و الإسماعيلية. وقد توفي الإمام زيد شهيدا في معركة مع جيش بني أمية في عهد هشام بن عبد الملك الأموي سنة 740 م.

لقد تم وضع الأفكار الجوهرية للمذهب الإثنا عشري في عهد الإمامين: محمد الباقر وجعفر الصادق، فالأول أفتى بالتقية، والثاني وضع المذهب الجعفري، وهو المذهب الخامس في الإسلام، ولا خلاف عليه من فقهاء السنة بالإجمال. ومن أهم مبادئ الإمامية أنه لا يجوز أن يرث الإمامة بعد الحسن والحسين أخ عن أخيه، وتم حصرها في أعقاب أبناء الحسين “ض” فقط. وقد واجهت الإمامة الإثنا عشرية منعرجات عبر التاريخ، كان أهمها مرحلة مابعد جعفر الصادق في  148 هـ، ومرحلة ما بعد الإمام الحسن العسكري بدون خلف واضح. وكان الإمام الحادي عشر الحسن العسكري (الذي توفي عام 260 هـ) بدون خلف واضح، لكن فقهاء الإمامية الإثنا عشرية سرعان ما تجاوزوا هذه المشاكل بالجدل الفقهي الذي تميزوا به…..وأكدوا أن الإمام الثاني عشر قد غاب ليعود فيما بعد حسب مشيئة الله، الذي سيفرج عنه في زمن ما.

وكان الأئمة الشيعة الإثنا عشرية، حسب الفكر الشيعي:

1-  علي بن أبي طالب ، توفي عام 40 هـ.

2-  الحسن بن علي بن أبي طالب، توفي عام 50 هـ.

3-  الحسين بن علي بن أبي طالب، توفي عام 61 هـ.

4-  علي زين العابدين، توفي عام 94 هـ.

5-  محمد الباقر بن علي زين العابدين، توفي عام 113 هـ.

6-  جعفر الصادق بن محمد الباقر، توفي عام 148 هـ.

7-  موسى الكاظم بن جعفر ، توفي عام 183 هـ.

8-  علي الرضا بن موسى الكاظم، توفي عام 202 هـ.

9-  محمد الجواد بن علي الرضا، توفي عام 220 هـ.

10-       علي الهادي بن محمد الجواد، توفي عام 254 هـ.

11-       الحسن العسكري بن الهادي، توفي عام 260 هـ.

وبعد وفاة الإمام الحسن العسكري ثار خلاف بين الإمامية الإثنا عشرية، فبعضهم قال إن الإمام لم يخلف أبناء. وكان على رأسهم أخوه جعفر، الذي سعى إلى أن يتقلد الإمامة، إلا أن الشرط الذي أوجب، أن لا يرث الإمامة شقيق أو أخ الإمام كان حائلا بينه و بينها. والبعض أكد أن الإمام خلف ابنا هو محمد المهدي، وقد أخفاه أبوه في سرداب حتى لا يتعرض للاغتيال من طرف بني العباس، كما جرى لعدة أئمة في العهدين الأموي والعباسي، مثل الإمام علي الرضا، الذي قيل إنه قتل في 202 هـ في عهد المأمون الذي كان عينه وليا للعهد، لكن غضب العائلة العباسية أرغمه على اغتياله لحل الإشكال بهدوء! وكانت قصة اختفاء الإمام الثاني عشر محمد المهدي في سامرا في سرداب بمنزل أبيه، قد تحولت عند الشيعة الإثنا عشرية، إلى عقيدة “الإمام الغائب” الذي سيعود ليملأ الدنيا قسطا وعدلا بعد أن امتلأت ظلما وجورا.

ويرى ابن تيمية في منهاج السنة النبوية ردا على الشيعية: «أن الإمامة ليست من الأصول، لأن التوحيد هو الأساس وليست الإمامة، وأن طاعة الله ورسوله لا تشترط حاضرا أو غائبا، إذ الحجية للأمة وليست للإمام، ولهذا لا ضرورة إلى إمام معصوم.».

فيؤكد:«هذه الأمة لا نبي بعد نبيها، فكانت عصمتها تقوم مقام النبوة، فلا يمكن لأحد منهم أن يبدل شيئا من الدين إلا أقام الله من يبين خطأه، فلا تجتمع على ضلالة».

لقد اعتبر البعض أن الأمر يتعلق بفرضية ليس إلا، فللخروج من الأزمة التاريخية التي نتجت عن وفاة الإمام الحسن العسكري بدون خليفة ظاهر، التجأ فقهاء الإمامية الإثنا عشرية إلى افتراض وجود إمام غائب، والخروج النهائي من الأزمات والإشكالات التي واكبت حصر الإمامة في أبناء الإمام الحسين فقط، ووفاة الإمام الحسن العسكري بدون ولد ظاهر. لقد أكد فقهاء  الإمامة الإثناعشرية ومؤرخوها أن الإمام الحادي عشر( الإمام الحسن العسكري) خلف ولدا هو الإمام محمد المهدي الغائب / الحاضر، ومن هذه العقيدة خرجت جماعات عديدة اقتبست فكرة المهدوية متجاوزة الإمامية الإثنا عشرية إلى مفاهيم أخرى لا علاقة لها بالطرح الذي شرحه فقهاؤها ووضعوا أسسه. فقد تم استغلال الشيعية والمهدوية من طرف فرق ادعت الإسلام ظاهريا، ولها في الباطن أفكار أخرى، وبينما وضعت الإمامة الإثنا عشرية أسس فكرها في إطار الإسلام، استغلت فرق أخرى تلك الخلاصات الفكرية لأهداف لا علاقة لها بما قصدت إليه الإثنا عشرية. ومن الواضح أن الفكر الإثنا عشري لم يتبلور إلا في مرحلتي الإمامين: الباقر و الصادق. أما السلف الشيعي فقد كان يرى الخلافة في الإمام علي ابن أبي طالب “ض” وحده.

لقد أدت هذه الإشكالات إلى أزمات في العقيدة الإثنا عشرية، خصوصا بعد وفاة الإمام جعفر الصادق (148 هـ)، والحسن العسكري (في 260 هـ)، كما استغلت جماعات أخرى خارج الإسلام، هذه العقيدة لتخريب البلدان الإسلامية، وتجاوز الحدود في المهدوية إلى التناسخ أو التقمص ونزول الإله مجسدا في أشخاص معينين عبر التاريخ. وأدى عدم ظهور الإمام خلال مئات الأعوام إلى أزمات فكرية جعلت فقهاء الإثنا عشرية يلجأون إلى التحليل والجدل الفقهي، الذي زاد الأمور غموضا، واستغل من البعض لأهداف سياسية و أحيانا مالية، بظهور أفراد و جماعات زعموا أنهم التقوا الإمام الثاني عشر وكلفهم بأشياء ما. ترى الإثنا عشرية أن ظهور الإمام مرتبط بالإرادة الإلهية، والأمر ليس بمقدوره           أو بمقدور شخص ما، وأن مرحلة ظهوره لم تأت بعد، والأمر موكول إلى الله. ومع مرور الزمن طرحت عدة نظريات لحل إشكال عدم ظهور الإمام الثاني عشر، كانت أهمها نظرية “ولاية الفقيه” التي جاء بها الإمام آية الله الخميني(توفي في 1989) والتي ترتكز على شرطين في الفقيه:

        أن يكون عالما.

        أن يكون عادلا.

وليس من الضروري أن يكون من أحفاد الحسين بن علي بن أبي طالب “ض“، وهذا الفقيه يقوم بالواجبات التي توكل إليه على أساس المذهب الجعفري. ويقوم مقام الإمام الثاني عشر، وبهذه النظرية تم حل إشكال عدم ظهور الإمام، وأسست الدولة الإيرانية على قاعدة انتخابات شعبية مرتكزة على نظرية الإمام الغائب الذي يقوم مقامه الفقيه العالم العادل، وتسند فيها الأمور إلى حكومة إسلامية ترتكز على المذهب الجعفري، سواء في تسييرها أو في الأشخاص الذين تسند لهم مهامها. وقد عارض البعض من الشيعة هذا التوجه، لكن الغالبية وافقت عليه. خصوصا أن أيران الدولة الإسلامية/الشيعية الجعفرية الوحيدة في العالم الإسلامي وذات القوة البشرية والاقتصادية الهامة، قد انتهجته و سارت على هديه. وبالتالي فإن معارضة هذا التوجه لا تتجاوز جماعات صغيرة، لا تأثير لها على الغالبية الشيعية الإثنا عشرية التي حسمت عودة الإمام الغائب، باتخاذ نظرية ولاية الفقيه توجها ونبراسا، وتم وضع دستور بهذا الصدد، ووضع مؤسسات قضائية وانتخابية لاختيار الفقيه / الولي، وباقي أعضاء المؤسسات الأخرى كمؤسسة الرئاسة والبرلمان.

رأي في الإثنا عشرية:

يرى بعض علماء الإسلام أن الشيعة الإثنا عشرية مذهب مبتدع، ولكن لم تصدر فتاوى بتكفيرهم أو عدم الزواج منهم أو عدم دفن موتاهم في المقابر الإسلامية،  فباستثناء اعتبار عقيدتهم بدعة، لم تصدر أحكام فقهية تخرجهم من الإسلام، والإمام الغزالي في معرض تحليله للإسماعيلية، أكد أنهم “يظهرون الرفض ويبطنون الكفر” فمفهوم المخالفة أن الذين يظهرون الرفض كالشيعة الإثنا عشرية لا يبطنون الكفر، ويمكن القول إن الجماعة الإثنا عشرية هم مخالفون للسنة في أحكام معينة، كرفض بيعة الشيخين أبي بكر وعمر “ض“، والفقهاء يعتبرونهم رافضة أو روافض.

الإسماعيلية:

كان لوفاة الإمام جعفر الصادق في سنة 148 هـ – كما ذكرنا سابقا– الذي امتدت إمامته 35 عاما (وهي الإمامة الأطول في تاريخ الأئمة الإثنا عشرية. فالإمام علي زين العابدين امتدت إمامته 33 عاما، ومحمد الباقر 19 سنة، وموسى الكاظم 19 سنة، أما باقي الأمة فكانت فترتهم قصيرة نسبيا).

وكان الإمام جعفر الصادق – وسمي الصادق لصدقه– أحد العلماء الكبار في تاريخ الإسلام، وكان من تلامذه الإمام أبي حنيفة و الإمام مالك ابن أنس.

وقد وضع الإمام جعفر الصادق المذهب الجعفري، الذي يعتبر أحد المذاهب الإسلامية الخمسة. كان للإمام جعفر عدة أبناء، وكان من المنتظر أن يتولى الإمامة بعده ابنه الأكبر إسماعيل، إلا أن إسماعيل توفي في حياة أبيه الإمام جعفر، فتولى الإمامة (في 148 هـ) الإمام موسى الكاظم. وثارت خلافات حول ذلك لم تك ذات أهمية في البداية، لكن جماعة معينة ذات أهداف خاصة استغلت هذا الحدث لغير مشكلة الإمامة، مدعية أن من ميزات الإمام معرفة الغيب، فقد كان الإمام جعفر يعرف أن إسماعيل سيموت، فيتولى ابنه محمد الإمامة، وأن إمامة موسى الكاظم باطلة، وكان أول من استغل هذا الأمر عبد الله بن ميمون القداح،  الذي أسس تنظيما هدفه تدمير الدولة الإسلامية / العباسية.

لقد شكلت عقيدة ابن ميمون هذا، الذي ترجع أصوله إلى فارس، والتي تتلخص في أن الله تجسد على شكل إنسان لمرات سبع: في آدم ونوح وإبراهيم وعيسى ومحمد وعلي و المهدي أي محمد بن إسماعيل – والمهدي هنا غير المهدي في العقيدة الإثنا عشرية- و في كل مرة يتجسد فيها، يكون له مساعد أو إمام هو المعبر أو الناطق باسمه، فكان الناطق باسم السيد المسيح عيسى هو بطرس، وكان الناطق باسم الرسول عليه الصلاة والسلام هو علي ابن أبي طالب. أما الإمام الغائب محمد بن إسماعيل أو المهدي المنتظر فناطقه هو عبد الله بن ميمون، صاحب هذه الأفكار. وكان العضو في هذه الجماعة يمر من أربع درجات أو مراحل، بعدها خمس درجات أخرى ليتعلم دروسا هي مجموعة من الأفكار الوثنية القديمة وبعض الأفكار الإغريقية المتعلقة بالمادة. وقد أسس ابن ميمون جماعة كان لها دعاة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، خاصة في الشام و إيران والعراق، وقد فر هو نفسه إلى الشام حوالي 873 م، وبعد وفاته ادعى أحد أبنائه النسب لعقيل ابن أبي طالب، أخ الإمام علي “ض” وأنه الإمام. وكان هذا أحد أسباب الصراع مع حمدان القرمطي الذي كان له نسب إلى آل البيت. وكان القرمطي قد أسس حركة مسلحة ضد الخلافة العباسية، سميت بثورة الزنج، إلا أن هذه الثورة لم تك لها قاعدة فكرية اجتماعية. فقد مارسوا الأفعال التي أنكروها على الخلافة العباسية، وانتقموا من أسيادهم السابقين وسبو النساء و الأطفال. وبعد هزيمتهم أمام الجيوش العباسية أسسوا دولة في البحرين، وسرعان ما غابوا عن التاريخ شيئا فشيئا.

هناك خلاف حول شخصية عبد الله بن ميمون المشهور بالقداح، فقد عرف باسم يقرب منه، أحد جلساء ورفاق محمد الباقر، وشخص آخر يدعى ابن ميمون الديصاني، ويظهر أن هذا الشخص الأخير هو الذي وضع الأسس التي تحدثنا عنها سابقا، وأضاف إليها –فيما بعد– إخوان الصفا الفلسفة الإغريقية المتعلقة بالمادة، بعد أن كان الديصاني قد أسسها على المزدكية (وهي ديانة فارسية)  والزراديشتية. إلا أن هذه العقائد لم تنجح في تحويل العالم الإسلامي عن عقيدته، وإن نجحت في جمع بعض المؤيدين/الأتباع هنا وهناك، نتيجة ماقامت به الدولة العباسية ضد جماهير واسعة من الفلاحين، وانعدام العدالة الاجتماعية، وعليه فإن المنخرطين في هذه الجماعات كانت لهم أهداف مختلفة لا تلتقي إلا في العداء للدولة العباسية. وهو ما أدى إلى الخلاف مع زعيم الزنج القرمطي حمدان، الذي اغتيل في ظروف غامضة. لم تتبلور الإسماعيلية كفكر إلا فيما بعد مستغلة الخلاف حول الإمامة، وغياب محمد بن إسماعيل الذي يظهر أنه لم تك له أهلية أصلا أو نفوذ، ولكن جماعات معينة ادعت النسب إليه، خصوصا بعد تأسيس الدولة الفاطمية من طرف عبيد الله الشيعي -أحد الدعاة- الذي تحول بسرعة إلى ادعاء النسب الشريف. ففي القرن العاشر الميلادي، ظهر شخص يدعى سعيد بن أحمد، المتنازع في نسبه، والذي لقب نفسه بعبيد الله المهدي، وأرجع نسبه إلى فاطمة و علي -ض- مباشرة بعد أن كان يدعي أنه حفيد لعقيل بن أبي طالب، وأسس مدينة المهدية قرب القيروان، ومن هناك دخل في صراع مع الأغالبة. ثم وسع سلطته إلى أن سيطر أبناؤه على مصر، ثم سوريا، وكاد الذين جاؤوا من بعده أن يسيطروا على العراق. وقد احتفظوا بمظهر علني فيما يتعلق بالشعائر الإسلامية، وعقيدة سرية في المجالس الخاصة، التي سميت مجالس الحكمة فيما بعد، أثناء حكم الدولة الفاطمية في مصر، عندما تبلور الفكر الإسماعيلي متجاوزا أفكار ميمون الديصاني، دون أن يتخلص منها تماما.

ويمكن تلخيص الفكر الإسماعيلي بعد تطوره في مجالس الحكمة على يد “فقهائه الكبار” في مجموعة من الأفكار التي نقلوها عن أفلاطون أو الفلسفة اليونانية والعقائد الإيرانية القديمة مثل الزراديشتية والتراثين اليهودي والمسيحي، وأفكار الشيعة إلى حدود الإمام جعفر الصادق، مع الارتكاز على التأويل للكلمات و المعاني التي جاء بها القرآن الكريم أو الأحاديث، مما جعل من الصعب ضبط فكر هذه الجماعة، خصوصا أنها تناقضت هي نفسها حسب اختلاف ظروفها الجغرافية أو تغيير زعمائها أو أئمتها، فبعضهم دعا إلى إلغاء الشرائع، وبعضهم أنكر ذلك، وبعضهم عاد من جديد إلى إلغائها وهكذا. واعتبروا أن الإمام الإسماعيلي الناطق تجسيد للإله، وأن  محمد بن إسماعيل الغائب عند عودته سيؤمن به الجميع، فالجماعات الإسماعيلية لم تكن لها عقيدة واحدة جامعة، وإن اجتمعوا على إمامة محمد بن إسماعيل، فقد انتسب إليه الكثيرون دون أن يكون هناك أي دليل على انتسابه هو إليهم، إذ لم يظهر الإمام محمد بن إسماعيل بعد تولي موسى الكاظم ولم يعارض عمه في تولي الإمامة عقائديا، فمحمد بن إسماعيل هذا كان شخصا تافها، ذهب إلى بغداد وطلب مقابلة الخليفة العباسي هارون الرشيد وخاطبة بما معناه: أن هناك خليفتين يجبيان الأموال أحدهما أنت يا أمير المؤمنين، والكاظم في المدينة، فأمر هارون الرشيد باستقدام موسى الكاظم وسجنه. فالأمر عملية استدلالية/فرضية، كان هدفها تدمير الدولة العربية/الإسلامية بالأساس، وذلك بخلق تنظيم يحتاج إلى إمام من آل البيت، ولو نظريا، وحتى بدون رغبته.

وحتى يتضح هذا الاختلاف بين هذه الجماعات. فقد زُعم أن حسن الصباح الذي أسس دويلة في إيران، قد اختطف أحد أبناء نزار ابن المستنصر الفاطمي- المتوفى في 1094- وهو أمر مستحيل نظرا للظرف الذي عاش فيه حسن الصباح، والمشاكل التي واجهها حتى في تأسيس الدويلة التي حكمها لأكثر من 3 عقود، إلى أن توفي في سنة 1124م، فكيف يختطف أحد أبناء نزار ويستقر له الأمر، كما أن عملية الاختطاف لا دليل عليها أصلا. وقيل إنه كان له أبنان أعدمهما معا، الأول لأنه اغتال أحد الرعاة، والثاني لشربه الخمر وهو أمر غير منطقي لأن الذي ادعى الإمامة هو أحد أبنائه الذي زعم أنه من سلالة ابن علي ابن نزار، الملقب بالهادي واسمه “كيا بزرك آميده” وزعم أن حسن الصباح قد أخذه إلى عشه. وبعد وفاة كيا بزرك في سنة 1219م تولى الإمامة بعده ابنه الحسن في سنة 1164م، فأعلن إلغاء الفرائض وحدود الشريعة الإسلامية من شهادة وصيام و حج و زكاة، وأصدر بلاغا في خطبة من أعجب الخطب التي صدرت في التاريخ، تجاوز ما كان  ابن ميمون القداح قد قدره فيما يتعلق بالإمام الناطق، لقد رفع حاكم آلموت مرتبة الإمام فوق الرسل قائلا: “يمر الأنبياء ويتغيرون، أما الأئمة فباقون“. مما جعل بعض فقهاء الإسماعيلية يتدخلون لخطورة الأمر، والرد على قوله: (مولانا هو قائم القيامة ومولى الكائنات فهو الوجود المطلق المنزه عن كل التعريفات والتحديدات ˃…..˂ يمر الأنبياء ويتغيرون، أما نحن الأئمة فباقون لأن النور الذي يشع من المصباح ليس المصباح نفسه، ولكن إذا لم نجد النور فكيف نعلم ما هو المصباح أو نعرف أن المصباح موجود أصلا، بل وأين هو؟˃….˂، إن أولياء الله ليسوا نفسه، ولكنهم لا ينفصلون عنه فالإمام الناطق هو المظهر الإلهي في الدعوة الإسماعيلية، وهو الذي يحاسب يوم القيامة. فبالتالي لا داعي لممارسة أي شعائر، فالإمام مكلف بها ومسؤول عنها نيابة عن الجميع). وبذلك كان خروج الإسماعيلين من التقية التي عاشوا في ظلها طويلا، لإخفاء عقيدتهم التي تخفي التقمص أي التجسيد الإلهي في الذات البشرية. وقد قال أحد الشعراء مادحا أحد أئمتهم:

ماشئت لا ماشاءت الأقدار            فاحكم فأنت الواحد القهار

لقد آمن الإسماعيليون بخليط من الأفكار، يعود بعضها إلى التراثين اليهودي والمسيحي، وفلسفة أفلاطون المتعلقة بالمادة، وقالوا بأن الروح سبقت المادة، وأن الأصل كن و قدر، وتحولت كن إلى كوني. وبالتالي خلق الكون من جراء هذه الكلمات الآمرة، لذلك كانت مسألة الإمام الغائب محمد بن اسماعيل مجرد تركيبة تاريخية و جسدية للخروج من العقيدة، نحو آفاق ظلامية من التجريد، وقد أضافت كل جماعة شيئا. ونظرا للسرية -وكل ما هو سري خبيث-، فإن التحولات الفكرية لهذه الجماعة  أخذت طابعا مختلفا بحسب مكان التواجد، فالإسماعيليون في إيران انقرضوا تقريبا بعد مرحلة 1256م، عندما هاجم الجيش المغولي بقيادة هولاكو قلاعهم، و قتل آخر أئمتهم بعد نفيه إلى منغوليا. أما في الهند، فأغلبهم تراجعوا إلا من بعض السمات المرتبطة بمكان التواجد، وصاروا مثل أهل السنة باستثناء الأخذ ببعض التوجيهات الجعفرية ˃=نسبة إلى جعفر الصادق˂، أما دولة القرامطة في البحرين فقد انهارت وتحول أغلب الإسماعيلين إلى إثنا عشرية، تبقى سوريا وبعض الإسماعيلين في الهند وإيران الذين لازالوا يؤمنون بالإمام الإسماعيلي ممثلا في كريم آغا خان، وهي جماعة ذات طابع سلمي وعادي تقريبا، عدا ما يتعلق ببعض الهرطقات المتعلقة بهذا الإمام ودوره دنيويا وأخرويا كما يعتقدون، وبالعودة إلى الدويلة التي أسسها حسن الصباح في عش النسر، كانت نهايتها بعد وفاة الحسن الذي أعلن القيامة في 1210م، وتولى جلال الدين الإمامة، فألغى خطبة سلفه حول إلغاء الشرائع أو ما دعاه بالقيامة، وبعد وفاة جلال الدين في 1221 تولى محمد اعلا، الذي أعلن مرة أخرى القيامة وألغى الشرائع والصلاة. وقال إن الإيمان بالقلب فلا داعي لعمل الجسد، ونادى بالتوسل الداخلي. وسرعان ما انتهى مقتولا في منغوليا في 1257م بعد استسلامه للمغول، وبذلك انتهت دويلة حسن الصباح.

وقد زعم الإسماعيليون أنه ترك ابنا اسمه شمس الدين، انتقل إلى مايعرف الآن بأذربيجان. وتكررت نفس الادعاءات التي تكررت مع وفاة الإمام الحسن العسكري حول ابنه، وقيل أن شمس الدين هذا لقبه الخوجه، قد ترك ولدين: قاسم شاه الذي عاش في منطقة سلمية في سوريا، وقيل إن سلالة الآغا خان التي لازالت تشرف على الإسماعيلية في العالم من سلالته، وانتهت الجماعة إلى حركة مهادنة عادية باستثناء اعتقادهم في الإمام المخلص، وبعض الأفكار القديمة التي يتقسمونها من الغير.

هذا عن الإسماعيليين في دويلة حسن الصباح، أما بالنسبة للإسماعيليين في مصر، فقد كانوا أكثر حذرا في إعلان القيامة أو إظهار خلفياتهم، خصوصا أنهم كانوا يحكمون مناطق ودولا سنية، وأن توليهم السلطة في مناطق المغرب ومصر كان صدفة تاريخية ونتيجة ضعف الحكومات السنية، والخلافات التي نشبت بين الأسر الحاكمة، فاستغل الإسماعيليون الفرصة، وتولوا السلطة وسط جماهير لا تؤمن بأفكارهم، بل لا تعرفها أصلا لكونهم يرفعون شعار آل البيت، وكان من أهم شخصياتهم الفقهية القاضي النعماني المتوفى عام 974 م، الذي كان يكتب مقالتين، واحدة ظاهرية عادية، وأخرى باطنية. ومن كتبه في هذا المجال (دعائم الإسلام) وهو كتاب عادي، والنسخة الأخرى من الكتاب(دعائم التأويل) ذات البعد الإسماعيلي المُنافي للإسلام.

وكان الفاطميون قد استغلوا وضعية مصر والمجاعة الخطيرة التي أصابتها في غضون عام 969م، وسيطروا على عاصمتها القديمة الفسطاط بواسطة قائدهم العسكري جوهر، وبذلك تم تأسيس دولة الإسماعيلية هناك، وتولى حكمها المعز لدين الله، الذي انتقل من القيروان إلى الفسطاط سنة 973 م، لذا وجد الإسماعيليون أنفسهم وسط بلاد سنية، فراجعوا أفكارهم بحذر، وأعلنوا أن لا شريعة جديدة، وأن محمد ابن اسماعيل، أو المهدي المنتظر في رأيهم، لن يرجع مادام المعز وغيره من الخلفاء قد تجسدوا فيه أو تجسد فيهم. وبما أن نسبهم إلى جعفر الصادق قد ثبت تاريخيا كذبه من خلال الرسالة التي كتبت في بغداد من طرف آل البيت، واتضح أنهم من سلالة عبد الله المهدي، فقد أعاد المعز نفس الإدعاء بكون نسبه يعود لمحمد ابن اسماعيل.

كان المعز الخليفة الإسماعيلي في مصر، قد أسس مجالس الحكمة، التي تلقى فيها المحاضرات. وكان لتلك المحاضرات وجهان علني عادي، وتأويلي اسماعيلي،  مقصور على الإسماعيليين الذين لم يكونوا  يشكلون إلا نسبة ضئيلة من الشعب المصري. وقد حاول وضع تشريع اسماعيلي للدولة، لكنه لم ينجح إلا في حدود جماعة الإسماعيليين. وعندما مات المعز في 975 م، تولى الخلافة ابنه نزار الذي لقب بالعزيز، والذي توسعت الدولة الإسماعيلية في مصر في عهده نسبيا، وكان حذرا في إظهار الباطنية، وقد مات في 996 م.

لكن المرحلة الخطيرة للدولة الإسماعيلية في مصر هي عهد ابنه أبي علي المنصور، الذي لقب بالحاكم بأمر الله. كان شخصا مجنونا تماما، وقد تولى الخلافة وهو ابن الحادية عشرة، إذ كان شقيقه الأكبر قد توفي في حياة أبيه العزيز. وكانت له أخت غير شقيقة تدعى “ست الملك“. وكان لهذا الحاكم عشرات المساعدين دبر بنفسه مقتلهم في كل مرحلة، وكان يصدر قرارا يومه، ثم في الغد يلغيه وهكذا، ولكن أغرب ما أُمْرَهُ هو اعتقاده أنه إله، فقد تجاوز حكاية المهدي الذي آمن بها أسلافه. وقد أوعز لشخص يدعى محمد بن إسماعيل الدرزي ˃=نشتكين˂، بأن يعلن في المساجد أن الحاكم بأمر الله هو التجسيد البشري للإله. وقد بدأت تنتشر هذه الهلوسات في زمن الحاكم بأمر الله بإيعاز منه عن طريق نشتكين أو غيره بعد خطبته تلك، هَم المصلون بقتله فهرب إلى قصر الحاكم، الذي أمر بقتله في رواية أخرى أنه سلمه مبلغا ماليا وبعثه إلى الشام. وقد نافسه شخص يدعى حمزة، هو الذي وضع فيما بعد المذهب الدرزي أو مذهب الموحدين، وهو الموضوع الذي سنعرض له لاحقا في ملف الدروز.

كان الحاكم بأمر الله قد عين أحد أحفاد عبد الله بن المهدي وليا للعهد، وليس ابنه الوحيد علي، الذي كبر في بيت عمته ست الملك ….وقد أعلن الزهد، فكان يركب حمارا ويذهب إلى أحد كهوف جبل المقطم القريب من القاهرة. وقد قتل هناك بإيعاز من أخته ست الملك، بعد أن تضخم لديه جنون العظمة، وصار يشكل خطرا على بقاء الدولة، خصوصا مع الظرف الاقتصادي الصعب الذي كانت عليه مصر في عهده، والمجاعات التي أصابت جماهير واسعة من الشعب المصري. وكانت ست الملك قد كلفت شخصا يدعى ابن داوس باغتيال الحاكم في سنة 1021 م. كانت ست الملك مثل أخيها طاغية من الطراز الرفيع فقد قتلت عبد الرحيم بن إلياس أمير دمشق بعد أخيها مباشرة، وقتلت زعيم كتامة الذي تآمرت معه على اغتيال الحاكم!. وكانت هي الحاكمة للدولة الإسماعيلية حتى وفاتها في 1023 م، وبعد عدة خلفاء كانوا في الأصل دمى في أيدي وزرائهم أو أمهاتهم، انتهت الدولة الإسماعيلية في مصر سنة 1171م. وكان نفوذها قد انتهى قبل زمن طويل في باقي المناطق كالشام والهند والعراق.

وقد عاشت هذه الدولة موتا بطيئا في سنواتها الأخيرة، بين حكام صغار صوريين وحكامها الحقيقيين مثل الوزير بدر الجمالي، تبحث عن البقاء فقط، دون أي خلفية فكرية أو ادعاءات، وانتهى الأمر بعودة السنيين إلى حكم مصر، ولا أثر للإسماعيلين في مصر بعد هذه المرحلة إذ فقط هناك أقلية إثني عشرية.

كان الإمام الغزالي 1058-1111م، قد وضع كتابا حول الإسماعيلية، أبطل ادعاءاتها وسخافاتها، وهو كتاب (فضائح الباطنية) و فند دعاواهم، وأكد أنهم جماعة خارجة عن الإسلام فهم “يظهرون الرفض ويبطنون الكفر“.

وأكد نفس الحكم الشيخ ابن تيمية المتوفى عام 1263م، والذي حاربهم في الشام بنفسه، وقاد حملات ضدهم. وأكد ابن تيمية “بطلان نسبهم وأنهم مجوس” ولا علاقة لهم بالإسلام هم والجماعات التي خرجت منهم كالدروز والنصيرية . وكاد ابن تيمية أن يقضى عليهم، لكنه واجه بعض الفقهاء الذين لم يفهموه أو كانوا على غير وفاق معه لأسباب عدة أهمها التنافس.

البابية والبهائية:

لم يعد للبابية وجود فعلي فقد انتهت منذ زمن، لكنها تطورت إلى ما يسمى البهائية التي تعرف حاليا وجودا في بعض مناطق العالم، ولها محافل في بعض دول العالم، خاصة في الهند وفلسطين المحتلة. وتعود البابية إلى شخص يدعى الشيرازي نسبة إلى مدينة شيراز الإيرانية عاش في القرن 19م. وحسب بعض الدراسات التي كتبت عنه فهو ليس إيرانيا بل عراقي اسمه علي محمد الباب، انتسب في البداية إلى زاوية تدعى”الشيخية” وتنسب إلى شخص يدعى أحمد الأحسائي فلم يقتنع بها، وانتقل إلى يراز حيث حضر دروس شخص يدعى كاظم الشيرازي، فانتسب إليه وهو الذي أوهمه أنه صاحب كرامة. ولم يلبث أن ابتدع عقيدة جديدة (بعد أن أصيب بعارض صحي) وصار يردد «أنا مدينة العلم وعلي بابها»، ولاشك أن اسمه علي محمد لعب دورا في ادعائه النبوة، والانتساب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد جرت محاكمته واعترف بأنه يكذب وأعلن التوبة. ويبدو أن الاستعمار الإنجليزي و السفارة الروسية في طهران لعبتا دورا هاما في تشجيعه، وإعلان نفسه نبيا. وقد وضع كتابا بعنوان “البيان” امتلأ بالشطحات، وقد أعدم في 1850م هو وأحد أتباعه. عاش علي محمد في مرحلة هجوم الغرب على الشرق وعلى ديار الإسلام. وكانت العديد من الدراسات الاستشراقية قد دعت إلى وجوب تدمير الإسلام عبر اختلاق عقائد جديدة مثل البابية و القاديانية.

وكان علي محمد أحد تجليات هذه الأفكار الاستشراقية، التي رأت أنه لتدمير المجتمعات الإسلامية يجب تدمير العقيدة واللغة. وبوفاة الباب انتهت البابية، لكن أحد تلاميذه يدعي الميرزا حسين تبنى ما جاء فيها وحولها إلى عقيدة أخرى، وألغى شخص وعقيدة علي الباب محمد، ونصب نفسه إلها وأورث الألوهية لابنه. وقد تبنت بريطانيا أصحاب هذه العقيدة، وفيما بعد الكيان الصهيوني ومنحوهم أرضا في مدينة عكا بفلسطين المحتلة، حيث أسس مركز للدعاية لهذه الديانة، التي جعلت اليهودية على رأس عقائدها مع الإضافات التي أضافها هذا الداعي. بعد إعدام الباب في 1850م، ادعى أتباعه أنه رفع إلى السماء! وقيل إن جثمانه أخذ فيما بعد إلى عكا حيث دفن بعد أن أخفيت جثته في إيران لسنوات عديدة تربو على الخمسين، وكل ذلك مجرد إدعاءات لا أساس لها من الصحة. وبعد موت الباب الميرزا الحسين 1817-1892م، جاء ابنه عبد البهاء الذي تصارع مع أخيه صبح الأزل على الزعامة فانتصر عليه، وبرغم أن البهائية عرفت انشقاقات عديدة، فقد انتقل عبد البهاء إلى بغداد ومناطق أخرى، وتدخل السفير الروسي في طهران لصالحه، بعد أن كاد يعدم بتهمة المشاركة في محاولة اغتيال شاه إيران. وقد كلف هذا السفير أو المترجم بالسفارة الروسية عند البعض واسمه «كتياز غوركي» من طرف عبد البهاء مع آخرين لوضع دستور البهائية، الذي يشترك مع الماسونية في عدة أهداف منها أن لا عقيدة تمنع الانخراط فيهما، والواقع أن العضو يتحول بعد مراحل عدة إلى شخص لا يؤمن بشيء إلا بالبهاء. ويعتقد عبد البهاء أنه كليم الله، وأنه قام برحلة إلى السماء وكلف بعدة مهام، ثم تجاوز هذه المرحلة بعد مدة وادعى أنه هو الله، وقد خاطب ابنه في إحدى الرسائل التي وجهها إليه، قائلا: من الله الخبير إلى الله الحكيم.

لقد جمعت البهائية أموالا طائلة من المساعدات التي قدمت لها من الإنجليز، ومن الوظائف العديدة التي منحت لأعضائها، مما جعلها مطمعا للعديد من ضعاف النفوس الذين باعوا أنفسهم بالمال أو الوظيفة. وقد ساعدت الحركة اليهودية هذه النحلة وقدمت لها المآوي والأموال في عكا، حيث دفن البهاء أو الميرزا الحسين  بعد موته، ولازالوا يوزعون أسطواناته وخطبه المسجلة. ولهذه النحلة أتباع في مصر وتونس و المغرب وإن كانوا قلة، فعددهم في المغرب لا يتعدى 400 حسب تقارير وزارة الخارجية الأمريكية، وتحميهم واشنطن والدول الغربية ويعمل عدد منهم في سفارات وقنصليات هذه البلدان، أو مؤسساتها بدعوى حماية الحرية الدينية، وذلك لابتزاز البلدان في قضاياها الوطنية. والعضوية في البهائية تستلزم المرور من تسع مراحل، تبدأ بأن البهائية لا تختلف مع الإسلام وتنتهي بأن يصبح العضو مؤمنا بأن البهاء هو الإله. وكل محفل يسيره تسعة أعضاء، والمحفل المركزي يوجد في عكا، وقد تحولت البهائية إلى تنظيم مغلق تقريبا مثل الماسونية. وشيدت مبنى في دلهي، نقلا عن دار الأوبرا في سدني، وتعتقد أن أجنحته لها طابع إيحائي ماورائي، في حين أن الأمر يتعلق ببناء ليس إلا، لأن البهائية تتميز بالكذب والخداع.

تقدس البهائية رقم 9 و 19، وتمارس عبادة ثلاثية في الصباح والظهيرة والمساء…ومن خلال استقراء تاريخ البهائية، فهي نتيجة العقائد الوثنية والمسيحية، وفكرة المهدي المنتظر والتقمص الهندوسي الذي يؤمن بالتناسخ، وكون الإله يتجسد في مراحل معينة في الإنسان. وقد حاولت البهائية مع البابية -في بدايتها- أن تتقمص مظاهر إسلامية، ولكن بعد أن خرجت إلى أحضان اليهود والهندوس تحولت إلى طائفة لا علاقة لها بالإسلام حتى في رمزيته، فقد أخذت البهائية فكرتها من عقائد عدة في سبيل إرضاء و استقطاب أي شخص من أي عقيدة كان.

وعندما مات البهاء في 1892م، عين ابنه عبد البهاء ليتولى إمارة الطائفة باعتباره إلها (وفق قاعدة: “من الله العزيز الحكيم إلى الله اللطيف الخبير“)، رغم الخلاف بينه وبين أحد إخوته على الزعامة. وكان اسمه أثناء ولادته في 1844م عباس أفندي، وقد أعلن أن كل الأديان متساوية وحصل على لقب “ابي يهوه” من اليهود، ولقب فارس من بريطانيا، وقبل وفاته في 1921م، عين حفيدا له من ابنته “نيا” يسمى شوقي أفندي، الذي مات في ظروف غامضة فانتقل تسيير الطائفة إلى محفل يتشكل من تسعة أعضاء يسيرون الطائفة التي تضم بضعة آلاف من المنتسبين في أنحاء العالم والتي تستخدم في إطار الترويج للفتنة، وتدمير الوطن العربي و الإسلامي، كما تستعمل غيرها من المنظمات والطوائف تحت ذريعة حقوق الإنسان وحرية الاعتقاد وغيرها من الادعاءات التي لا مجال هنا لمناقشتها.

رأي الإسلام في البهائية:

أجمع علماء الإسلام على كون نحلة البهائية كفرا، والبهائيين كفارا، لا يجوز معاشرتهم، أو الزواج منهم، أو الانتساب إليهم، وأن الأمر يتعلق بمحاولات المستشرقين وأجهزة المخابرات وطلائع الاستعمار تدمير اللحمة الإسلامية، وذلك باختراع وتشجيع الهرطقات في كل أنحاء العالم الإسلامي.

الدروز أو الموحدون:

لا يقبل الدروز هذه التسمية، لأنها مرتبطة بشخص “دراز” ليس له أهمية في عقيدتهم وإنما اتهموا به، وهذا الشخص هو نشتكين محمد بن إسماعيل، وهو غير محمد بن إسماعيل حفيد جعفر الصادق كما هو واضح، وقد يكون الاسم مجرد تزوير و ادعاء لخلق البلبلة، فهم يقولون إنهم موحدون أي من معتقدي التوحيد الإلهي.

يعود ظهور طائفة الدروز، إلى محاولة قام بها شخص يدعى -كما سبق- نشتكين في أحد مساجد القاهرة، عندما اعتلى المنبر في حوالي  عام 1016م، وأعلن أن الله تجسد في الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، وقد هم المصلون بقتله لكنه هرب إلى قصر الخليفة مستنجدا. وقد يكون هو الذي أمره بذلك. وهناك روايتان حول مصيره، الأولى: أن نشتكين عندما فر من المسجد إلى القصر، تم قتله بأمر من الحاكم لإيقاف الغضب الذي ثار نتيجة خطبته وادعائه ألوهية الحاكم.

الثانية: أن الحاكم زوده بالمال، وأمره بالذهاب إلى الشام لنشر الدعوى، وفيما بعد قتل على يد حمزة بن علي، المؤسس الحقيقي لأفكار الدروز أو الموحدين، لأنه رفض رئاسة حمزة. ويبدو أن الحكاية الأولى هي الأقرب إلى الصواب، لأن حمزة هذا عندما ذهب إلى الشام في 1020م، قتل شخصا آخر نافسه على الرئاسة غير نشتكين، الذي لم يبق له أثر سوى أن الجماعة أصبحت تسمى بمهنته وباسمه، رغم رفضهم الدائم لهذه التسمية، لكن العادة غلبت كما يقال.

يزعم الدروز أن الكون مر بسبعين مرحلة، وأن الإله ظهر وسيظهر في إحدى عشرة مرة بهيئة بشرية، لكن التجسيد يكون شبحيا. فقد تجسد الإله -في رأيهم- في إله الهنود كريشنا وأرسطو والحاكم بأمر الله، وباختفاء هذا الأخير تم اكتمال العقيدة لمن دخلها سابقا فقط. وكما تجسد الإله في شخصيات معينة عبر التاريخ، فإن حمزة مؤسس العقيدة، تجسد هو الآخر عبر التاريخ في هيئة المسيح عيسى وفي هيئة سلمان الفارسي. وهناك خمسة أشخاص يحضون بالتقديس عند الدروز: حمزة بن علي، الذي يمثل العقل، ومقداد الأسود الذي يمثل النفس، ومحمد بن وهب يمثل الكلمة، وبهاء الدين يمثل العلم، والألوهية يمثلها أحد وزراء الحاكم بأمر الله المسمى سلامة، وهو شخص غامض، ويظهر أنه هو من أوحى للحاكم بأنه إله. ومن الواضح أن العقيدة الإسماعيلية ثم نسخها من جديد أو جزء منها مع تغيير في الأشخاص والأفكار بالنسبة للدروز ومراتب الشخصيات. ويزعم الدروز أن الدنيا تعيش الزمن ما قبل الأخير، وأن الإله سيظهر لآخر مرة في الزمن النهائي في هيئة بشرية، وأن الشرق الأقصى سيتحد مع الشرق في بلاد العرب، وتبدأ رحلة الجميع نحو مدينة هجر في البحرين، ثم إلى مكة ثم إلى القدس. وسيُسمح للجميع بأن يكون درزيا أو موحدا، وسيتحول الجميع إلى تجسيداتهم السابقة، خصوصا المتميزين بالعدل والطيبوبة – دون تحديد لمعناه قد يكون القصد الدين اعتنقوا الدرزية– الذين سيعيشون في سعادة. أما الأشرار -دون تحديد وقد يكونون الذين أنكروا الدرزية- فسيتعرضون للعقاب الذي مابعده عقاب.

فشلت الدعوى الدرزية في استقطاب الجماهير الإسلامية، باستثناء قلة ضئيلة تتوزع الآن بين لبنان وفلسطين المحتلة. ورغم أن الدروز طائفة لا تؤمن بالإسلام، فإن بعض أعضاءها حاولوا أن يظهروا الإيمان للحفاظ على المظاهر الإسلامية، وتفاديا للرفض العام وأشهرهم في هذا الباب: شكيب أرسلان المتوفي عام 1946. ومن الملاحظ أنه عندما أُنشئ الكيان الصهيوني منع العرب المسلمين والمسيحيين من الانخراط في الجيش والأجهزة الأمنية، بينما أوجب الخدمة العسكرية على الدروز، الذين استخدموا في ميادين التجسس نظرا للغتهم و أصلهم، ومن أشهرهم عزام العزام. ونظرا للخلفية الهندوسية كانت المعابد أو الأشرم متعبدا لهم في الهند. وكان كمال جنبلاط يقضي شهرين كل سنة في معبد هندوسي للتأمل، ولا يمارس الدروز أي فريضة، ولا يقومون بأي واجب ديني إسلامي، إلا أنهم يدعون الإسلام إذا سئلوا. وينقسمون إلى: عقال، وهم الذين درسوا أصول العقيدة، ويشرفون على المتنسكين الذين زهدوا في الدنيا وعلى الأجاويد وعلمهم قليل. ثم الطبقة العريضة المسماة جُهالا، وهم الذين لا مسؤولية لهم ولا واجب عليهم ولا فهم لهم بأمور العقيدة باستثناء أنهم منتمون للطائفة التي تؤمن بالحاكم بأمر الله الذي سيعود يوما. ولو رجعنا إلى الطبقات في العقيدة الهندوسية لوجدناها تتألف من أربع طبقات: البراهما وهم رجال الدين،   و الشيسترا و الفزيا و الشودرا بنفس التراتبية مع الدروز، مع اختلاف الظروف الذي فرضتها الجغرافيا و الخلفيات الدينية.

يتواجد الدروز أساسا في لبنان وسوريا وفلسطين المحتلة، وينتشر بضع مئات منهم في مختلف أنحاء العالم وعددهم الإجمالي حوالي 300 ألف نسمة ، وهم لا يبشرون بعقيدتهم ولا يصاهرون غيرهم بصفة عامة، وهم في السبيل نحو الانقراض أشبه بالطائفة الزراديشتية في الهند، التي هاجرت في القرن السادس الميلادي من إيران وهي طائفة ثرية ومغلقة. وقد تناقص عددهما إلى حوالي 140 ألف نسمة.

النصيرية:

النصيريون مثل الدروز، يرفضون هذه التسمية التي ارتبطت بشخص المؤسس نصير بن محمد. وقد أطلقوا على أنفسهم العلويين ليس نسبا، وإنما انتماءا. ويبدو أن هذه التسمية ليست قديمة جدا، فهي تعود لبداية الحروب الصليبية في القرن الثاني عشر وبداية الاستشراق، حيث ثم التعرف عليهم من طرف الصليبين وطلائعهم المستشرقين، الذين أطلقوا عليهم العلويين نسبة إلى علي بن أبي طالب، لأنهم يعتقدون  تجسد الإله في شخص الإمام علي ويعبدونه.

والنصيرية خرجت بدورها من كنف الإسماعيلية على يد نصير بن محمد، الذي زعم أنه كان الباب للإمام الحسن العسكري المتوفى في 874 م، وأن الإمام الحسن الحادي عشر من الأئمة الإثنا عشرية خلف محمدا المهدي صغيرا، فقام نصير هذا برعايته، وكان بابا له مثلما كان لوالده، وهي ادعاءات -كما يلاحظ- كاذبة ومختلقة، إذ لم يك نصير بن محمد من رفاق الحسن العسكري. ومسألة أن هذا الإمام خلف ابنا فيها خلاف، وحتى الأئمة الإثنا عشرية تقول إنه غاب إلى حين الرجعة، وبذلك لا أساس لادعاء نصير بن محمد رعايته له، لأنه غير موجود كذات. وقد هاجم الإثنا عشريون النصيريين، وأكدوا أنهم خارج العقيدة الإسلامية وإباحيون. وقد  كتب سعد القمي (=نسبة إلى قم المدينة الإيرانية المقدسة) المتوفى في 914 م1، وهو من كبار فقهاء الأمامية الإثنا عشرية، عدة رسائل في نقد النصيرية، باعتبارها عقيدة كاذبة وباعتبار أهلها منحلين وخارجين على العقيدة الإثنا عشرية. لكن نصير بن محمد واضع أسس المذهب بما فيها وحدة الوجود ومذهب التناسخ والحلول، لم يك هو المؤسس الحقيقي لهذه العقيدة، بل كان شخصا يدعى الحسين بن حمدان درس رسائل إخوان الصفا والفلسفة اليونانية، وادعى أن الإمام عليا تجلى فيه الإله، وأن الروح تبدل بعد فناء الجسد الأول أجسادها، وهي عقيدة هندوسية واضحة، يقول كتاب المعرفة الهندي -ڤيدا-: “كما يعدل الصائغ قطعة الذهب يحولها إلى شكل جديد أكثر جمالا، كذلك تتحول الروح بعد أن تترك الجسد وتتحرر من الجهل و تتخذ لنفسها شكلا أكثر جمالا لمن يرغب…”.

لقد اتهم الشيعة الإثنا عشرية على لسان الفقيه القُمى النصيريين بالإباحية. وكما أن حمزة بن علي مؤسس العقيدة الدرزية أشار إلى ذلك في تحذيره للدرزي قائلا:” لا تكن كالنصيري لا يمسك نفسه عن شقيقته“، ويؤكد النصيريون أن هذا كذب في حقهم.

والنصيريون يؤمنون بربوبية علي بن أبي طالب و بالتناسخ، ولا يمارسون الفرائض باستثناء صلاة في الصبح وصلاة في المساء وهم وقوف، ويحاولون لأسباب جلية ادعاء أنهم مسلمون. ومن المهم الإشارة إلى أن الحرب الأهلية في سوريا وليدة سيطرة النصيريين على السلطة منذ 1970م، بقيادة اللواء حافظ الأسد المتوفي عام 1997م. وقد أفتى علماء الإسلام سواء السنة أو الإثنا عشرية، بكون طائفة النصيرية خارجة على الإسلام. وعندما وقعت نكسة  5 حزيران 1967 واحتلت الجولان، كان حافظ الأسد وهو نصيري، وزيرا للدفاع بصفته عضوا في حزب البعث وفي القيادة القطرية، وقد أمر الجنود بالانسحاب من الجولان بدون قتال. وكان عدد الشهداء لا يتعدى 170 شخصا، فاجتمع قادة الحزب على رأسهم نور الدين الأتاسي وصلاح جديد، وقرروا إدانته وعزله بعد المؤتمر، لكنه كان قد هيأ نفسه جيدا، فانقلب عليهم قبل أن ينقلبوا عليه، وحسب المصادر السورية فإنه لم يستطع تولي الرئاسة، نظرا لعقيدته الموسومة بالكفر، فجاء برئيس نقابة المعلمين واسمه أحمد الخطيب ليتولى الرئاسة شكليا، ثم استدعى الإمام موسى الصدر من إيران (قيل إنه قتل في ليبيا التي نفت المسؤولية عن قتله) فأصدر الإمام موسى الصدر فتوى تؤكد أن النصيرية أحد فروع الإمامية الإثنا عشرية. وبذلك استطاع حافظ الأسد تولي رئاسة دولة شعبها 80% منه سنة، وهي فتوى كما يلاحظ أحادية، لم يجرؤ أي فقيه على إجازة ما أجازته سواء من أهل السنة أو من الإثنا عشرية باستثناء الإمام الصدر، الذي قد يكون قتل لهذا السبب إذ لم يعثر له على أثر منذ 31-08-1978. وكانت قضيته ضمن القضايا التي ابتز بها النظام اللليبي بزعامة معمر القذافي منذ 1978 حتى 2011، واستعملته مع قضايا أخرى، لحرب نفسية أدت إلى انهيار النظام، ولحد الآن لا يعرف من قتل الإمام موسى الصدر، حتى بعد نهاية نظام الراحل معمر القذافي بسنوات.

يتواجد النصيريون في سوريا وتركيا، بسبب استيلائها على قطاع الإسكندرون السوري. فأصبح مواطنوه جزء من الدولة التركية وأغلبهم نصيرية. وحكم الإسلام في النصيرية مثل الحكم في الدروز بكونها جماعة لا علاقة لها بالإسلام.

يشكل النصيريون في سوريا حوالي 8%، بينما يشكل المسيحيون 7%، والإسماعيليون أقل من واحد في المائة، بينما الباقي مسلمون سنة، مما يفسر الحرب الأهلية في سوريا. فالنصيريون رغم أقليتهم في المجتمع، شكلوا حوالي 20% في الجيش والقوات الجوية والمخابرات. وبذلك استطاعوا تجميد الجبهة العسكرية مع الكيان الصهيوني خلال الأربعين سنة الماضية، بدعوى التوازن العسكري مع العدو. ولكن الذي تقوى في المجتمع هو الجهاز البوليسي وعبادة الشخصية في الداخل دون أي ممارسة جدية فعلية لتحقيق هذا التوازن، فقد تم تأهيل الجيش لمحاربة الداخل أكثر من محاربة العدو الخارجي.

البورغواطيون:

قليلة هي المصادر التي تناولت دويلة البورغواطيين بالمغرب، التي تأسست في المنطقة الجغرافية الواقعة بين الرباط و الجديدة أو أزمور. كما أن عقيدتهم غير واضحة إلا لما كتب عنهم خصومهم. ولكن من الواضح أن الأمر يتعلق بجماعة مجذفة لها علاقة بأفكار الإسماعيلية في الشرق. فمن خلال ما جاء في بعض الدراسات التي استندت إلى مراجع تاريخية، خاصة المرابطين، يتبين أن بعض البورغواطيين أو بعض زعمائهم عاشوا مدة في الشرق، وتأثروا بالصراع المذهبي هناك، فأنشئوا دويلة البورغواطيين، التي دامت تاريخيا من سنة 842 م إلى غاية 1059 أو 1062 م، وتم القضاء عليها في المراحل الأولى لتأسيس دولة المرابطين بزعامة عبد الله بن ياسين، الذي قرر سحق هذه الجماعة، واستشهد وهو يقاتلهم في 1059 م. كان عبد الله بن ياسين أشبه بالشيخ أحمد بن تيمية، الذي استشعر خطورة الباطنية في الشرق والشام على وجه الخصوص، لكن الفرق أن ابن تيمية لم يكن يملك السلطة، وإن كان يملك ناصية الدين، بعكس عبد الله بن ياسين الذي كان يملك كليهما. لذلك فشل ابن تيمية و لم يُفهم من طرف مجايليه. وكما قيل:”ينزع بالسلطان ما لا ينزع بالقرآن…” وينسب إلى عبد الله بن ياسين قوله عن البورغواطيين: “جهادهم أفضل من جهاد غيرهم“.

كان البورغواطيون متأثرين بما عرف بالمهدوية في الشرق العربي، وحولوا اسم المهدي إلى صالح، لذلك يلاحظ أن أغلب الأمراء الذين حكموا بورغواطة يحملون اسم صالح وآخرهم صالح بن عيسى، فقد زعموا أن مؤسس العقيدة سيعود من جديد وهو يونس بن صالح أو صالح بن مالك الذي توفي عام 884 م، ليحكم  و ينشر العدل. وقد واجهت الدويلة حروبا ضدها من طرف القبائل المجاورة، ثم القضاء عليها من طرف المرابطين.

يذكر المؤرخون أن البورغواطيين لم يعلنوا الكفر، ولكنهم حوروا فرائض الإسلام. فجعلوا الصلوات عشرا منها: الليلية و النهارية، وحولوا شهر الصيام إلى رجب، وصلاة الجمعة إلى يوم الخميس. يقال إنهم حرموا أكل الدجاج، وسمحوا بأكل الخنزير، وقد يكون التحريم والتحليل عائدا إلى ضرورات اقتصادية هي حاجتهم إلى البيض، إذ منعوا ذبح الديك بدعوى أنه يؤذن، وسمحوا بأكل الخنزير لأنه يعتدي على مزروعاتهم.

أما في علاقتهم بالدول المجاورة، فقد ارتبطوا بأمراء بني أمية في الأندلس، الذين يبدو أنهم لم يكونوا على دراية بالعقيدة البورغواطية، لأن البورغواطيين –كما سلف- كانوا يظهرون الإسلام، ولذا رأى حكام الأندلس فيهم إزعاجا لحكام المغرب بصفة عامة حتى يبقوا بأمان منهم. والمفارقة أنه بعد القضاء على البورغواطيين من طرف المرابطين انتقلوا إلى الأندلس، وهو ما كان يخشاه حكامها!

إن أهم مصدر تاريخي تحدث عن البورغواطيين، هو كتاب أبي العباس المراكشي المشهور بابن عذاري «البيان المقرب في أخبار ملوك الأندلس والمغرب» والذي ألفه في 1312 م، وهناك شذرات متفرقة عنهم هنا وهناك في مصادر أخرى. وقد اختلف في تاريخ سقوط دولتهم هل في سنة 1029 أو 1060؟ والواضح أن القضاء على دويلة البورغواطيين كان في منتصف القرن الحادي عشر على يد المرابطين، ويرى البعض أن الإجهاز على بقاياهم تم في عهد الدولة الموحدية، إلا أن هذا القول لا أساس له ، فالمرابطون -خصوصا مع مقتل زعيمهم عبد الله بن ياسين في هذه الحرب في 1059 م- لم يتهاونوا في القضاء المبرم على هذه الدويلة، حتى أنهم ساعدوا في انتقال قبائل عديدة إلى المنطقة التي قامت عليها وهي منطقة خصبة، وبذلك انتهت إمارة البورغواطيين وآثارها في عهد المرابطين الذين وحدوا المغرب أرضا ومذهبا ، الشيء الذي لم يقع في الشرق العربي، لذلك لا زالت أقطار الشام، وتركيا، و العراق، ومصر تعيش الآثار السلبية للتردد وعدم الحسم التاريخي في الموضوع ، مما أدى إلى البلقنة الدينية والمذهبية للمنطقة.

السيخية والدين الإلهي:

السيخ لغة: هم المريدون، والسيخي المريد والمؤسس لهذه العقيدة هو غوروناناك 1469-1538م، الذي كان من مريدي الزوايا الإسلامية في الهند، والتي لعبت دورا هاما في نشر الإسلام وسط الهندوس بتعاملها و احتضانها للجميع سواء كانوا نخبا أو جماهير، مسلمين أو من عقائد أخرى. كما كانت تقدم الطعام لزوارها وتجير المغضوب عليهم من طرف السلطة.

وقبل أن نتحدث عن السيخ ومؤسس عقيدتهم والتطورات التي عرفتها تلك العقيدة لا بأس من الإشارة ولو بإيجاز إلى تاريخ الإسلام في الهند، لكون السيخية قامت بجمع الهندوس والمسلمين في عقيدة واحدة كما سنرى. لقد استطاع البعض في العهد الأموي، نشر الإسلام في الهند بعد محاولات في عهود الخلفاء الراشدين لم تنجح، وقبل سنة 711 م تاريخ الفتح الإسلامي للسند بقيادة يوسف التقفي.

كان الإسلام قد أصبح عقيدة إيران و أفغانستان، وقام ملوك أفغانستان بغزو الهند لنشر الإسلام، خاصة السلطان محمود 1000-1030م، إلا أن تأسيس مواقع إسلامية متقدمة في الهند، كان زمن السلطان الغوري شهاب الدين عندما تم فتح لاهور في 1186 م، ودلهي في 1193 م، وتأسست سلطنة دلهي الإسلامية في 1206 م، التي استقلت عن سلاطين أفغانستان، وبدأ نشر الإسلام في الهند بين فئات المنبوذين ˃=الباربا˂ الطبقة الأدنى في السلم الطبقي الهندوسي مع “الشودرا“. وكان للزوايا الإسلامية دور هام في نشر الإسلام خلال القرون التي تلت الفتح الإسلامي، خصوصا ما بين القرن الثالث عشر والسابع عشر الميلاديين. وقد انتهت دولة الأفغان الإسلامية في 1526م. وتأسست دولة المغول الإسلامية بقيادة السلطان بابور 1526 – 1530 م. ثم جاء السلطان هما يون شاه 1530– 1556م، وبعده السلطان محمد جلال الدين أكبر 1556 – 1605م، الذي لم يكن له حظ في التعليم، إذ قضى طفولته وشبابه منفيا يمارس العمل العسكري. وعندما تولى السلطنة توسع في الفتوحات حتى كادت الهند بكاملها تصبح تحت سلطته، وارتبط بالهندوس الذين كانوا جزءا من بلاطه وصاهرهم. ثم أعلن في سنوات حكمه الأخيرة، أنه توصل إلى الدين الإلهي، في محاولة لجمع المسلمين والهندوس خاصة، وحتى المسيحية في دين جديد ابتدعه، وكان يعقد مجالس وندوات لأتباع الديانتين، أغلب الحاضرين فيها إما خائفون أو منافقون، لذلك سرعان ما فشل مشروع الدين الإلهي، الذي كان الهدف منه توحيد الهندوسية والإسلام.

ويبدو أن هذه الفكرة انتقلت إلى غوروناناك 1469-1539م، الذي كان عمره سبعة عشر عاما، عندما توفي السلطان “أكبر“، ومازاده شغفا بتلك العقيدة هو انتماؤه للزوايا الإسلامية وتجاوبه مع الأوراد، وإعجابه بطريقة التسيير في تلك الزوايا التي لم تك تفرق بين الناس، كما أن طريقة الإطعام العام فيها استهوته ولازالت قائمة في معابد السيخ حتى اليوم، وكانت مداخيل الزاوية تصرف على جمهور المريدين والزائرين، حيث يأكلون معا بعكس الهندوسية التي تعتبر الأكل الجماعي مع الطبقات الهندوسية الأدنى مثل الباربا والشودرا نجاسة. كان غورو ومعناها المعلم يكتب الأشعار الصوفية أو الروحانية، وكان له صديق مسلم يدعى “ماردانا” يلحن هذه الأشعار التي شاعت بين المريدين في تلك الفترة.

كان “الغورو” هندوسيا، ينتمي إلى طبقة الكاشتريا في العقيدة الهندوسية التي تتألف من أربع طبقات: البراهما و الكاشتريا و الفزيا و الشودرا. وكان ظهور عقيدته أو مذهبه في عهد الدولة الإسلامية الثانية في الهند، وبالضبط في عهد الإمبراطور محمد نور الدين جهان 1605 – 1627، وانتشرت في عهد خليفته محمد شهاب الدين المشهور بشاه جهان 1627 – 1657، ثم صارت قوة عسكرية بعد أن كانت مجرد مذهب يدعو إلى توحيد الهندوسية و الإسلام بالموعظة. فقد تحولت عند كل غورو إلى سعي لتأسيس إمارة أو دولة خاصة، اتخذت من المظاهر العسكرية شعارا لهما، ودخلت في حروب مع الدولة الإسلامية في الهند ومع الهندوس أيضا. تأثر “ناناك” بالإسلام خاصة فيما يتعلق بالمساواة بين الناس والزوايا و وحدانية الله، ويرى البعض ويؤكد أن سيطرة البراهما الطبقية على الشعب الهندوسي، كانت أيضا أحد الأسباب التي أدت بنناك إلى ابتداع هذا المذهب الذي أكد فيه وحدانية الله ورفض الأوثان، وقد ضمن ترانيمه في هذا الصدد سورة الإخلاص. وقد درس ناناك علم الكلام على يد عالم يسمى السيد الحسن، وفي كتاب غورو ناناك الأهم “غرانت صاحب” نجد ألفاظا ومفاهيم عربية إسلامية عديدة منها : الله – رسول- رحمان- رحيم- آدم- أولياء- تسبيح- حاج- حديث- حق – خالق- رمضان- زكاة- مالك- سبحان- سجدة- سلام- سماع- شريعة- صدقة- شيخ- صوفية- طريقة- عرض- عزرائيل- عبد- فقر- قادر- كلمة- مريد- مسجد- مسلم- مصلى – معرفة- مكة- ملك الموت- موسى- مولانا- نعمة- وضوء- وظيفة – صلوات……

وفي مجال التعبير عن وجود الله، استعمل جملة “حاضر ناظر” وردد في ترانيمه: “معكم أينما كنتم“. ومن أهم الذين تأثر بهم ناناك الشيخ فريد الدين مسعود المتوفى في 664 هـ. والسيخ كلهم يزورون قبر هذا الشيخ الموجود في باكستان، بل إن أوراده تمثل جزء من كتب السيخ المقدسة.

بعد وفاة غوروناناك تولى منصب الغورو على التوالي 8 غوروات هم: انكند، وعمر داس، ورام داس، وارجان ديڤ، وهركند، وهراري، وهاري كريشان، وبهادور، وغوبند سينغ. ومع مرور الزمن تحولت السيخية إلى عقيدةعسكرية عنيفة، بل إن الغورو الأخير غوبند سينغ وضع شروطا أخرى منها التعميد الذي بموجبه يتحول السيخي إلى سنغ وتعني الأسد. وقسم الخالصة أي الإخلاص أصبحوا ينعتون دولتهم بالخالصة، ثم الكافات الخمس وهي : الكنش أي عدم قص الشعر، و كرا: حمل الرجال سوارا حديديا، وكنغا المشط، وكجة سروال قصير للرجال، وكريان: التمنطق بالسيف أو الخنجر. وقد أعلن السيخ الصراع مع الدولة الإسلامية  أثناء مرحلة الأباطرة: جهان كير، وشاه جاهان، وأورانجزيب 1605-1707م، وقاموا بمذابح كبرى ضد المدن الإسلامية، وتولى زعامتهم في القرن السابع عشر قائد يدعى بندا يعتبر من السفاحين الكبار في تاريخ الهند، وفي نفس الوقت دخلوا في صراع مع الهندوس في محاولة لتأسيس دولة منفصلة. وعندما سيطر الاستعمار الإنجليزي على الهند بعد 1857م، انضموا إليه وساعدوه، ثم حاربوه خصوصا في 1919.

وقد انضم غالبية السيخ بعد الاستقلال، وانفصال باكستان عن الهند في 1947 إلى الجانب الهندي، حيث تم تقسيم البنجاب بين باكستان و الهند، ويوجد أغلبهم في البنجاب الهندية وفي بعض نواحي دلهي. وقد خاضوا صراعا مع الدولة المركزية في الهند وأعلنوا دولة خالصة، وجعلوا المعبد الذهبي في مدينة أمريستار مركزا لتصنيع السلاح، وقد هاجمته القوات الهندية في عهد أنديرا غاندي، رئيسة الوزراء 1966-1984. التي اغتالها اثنان من السيخ في أكتوبر من نفس السنة، واتضح لهم أن مطلب الاستقلال غير مقبول في الهند، وقد قتل الآلاف من السيخ بعد مقتل أنديرا غاندي لدرجة أن جميع السيخ في دلهي حلقوا شعورهم، وتخلوا عن كل ما يشير إلى أنهم سيخ، حتى لا يثيروا الغوغاء الهندوس الذين انتقموا لمقتل السيدة أنديرا غاندي. وقد تولى مانهومان سنغ رئاسة الوزراء 2004-2009، كما تولى زايل سنغ رئاسة الجمهورية قبل ذلك وكلاهما من السيخ، ويشكل السيخ 1% من مواطني الهند، ولكنهم لطبيعتهم العسكرية يشكلون 12% من الجيش الهندي. وتشكل ولاية البنجاب %1,5 من مساحة الهند، وهي أهم ولاية هندية في إنتاج القمح، إذ تساهم ب 65% من سلة الغذاء الهندي.

القاديانية أو الاحمدية:

قاديان: هي مدينة أو قرية كبيرة من قرى البنجاب الهندي – والبنجاب، تعني خمسة أنهار. وعندما استقلت باكستان عن الهند في 1947 قسم البنجاب بين الهند وباكستان، فصار الجزء الشرقي إلى الهند، وهو حاليا ولاية السيخ البنجاب، وصار الجزء الغربي إلى الدولة الجديدة باكستان. ويشكل البنجابيون 65% من سكان باكستان الذين يبلغ تعدادهم حوالي 220 مليون نسمة. لذلك فإن القاديانية ليست بعيدة عن “السيخية” أو على الأقل فإن فكرة التجديد في الهندوسية والإسلام التي نادى بها غوروناناك والباب غير بعيدة عن القاديانية، رغم أن هذه الأخيرة حاولت الاستفادة من الأخطاء القاتلة للبابية والبهائية، التي أدت إلى نفور المسلمين منهما ومن الباطنية أيضا. كما أن ظهور القاديانية لم يكن بمنأى عن الاستعمار الإنجليزي وعن سقوط الدولة الإسلامية في الهند انتهت نهائيا في 1857 بالثورة التي قادها سلطان سلطنة دهلي “دلهي حاليا” مظفر شاه ضد الوجود الانجليزي، والتي انتهت بهزيمة جيشه ونفيه إلى بورما حيث توفي ودفن.

فالاستعمار الانجليزي كان واعيا بخطورة الجهاد عند المسلمين الذين كانوا يشكلون إذ ذاك نسبة الثلث من سكان الهند، ثم إن الهند أصلا تستوعب مثل هذه الأفكار فلازال لحد الآن يظهر “أنبياء” جدد في الهندوسية ويجدون لهم أتباعا. فإيجاد مليون أو مليوني تابع في الهند لفكرة جديدة ليس بالأمر الصعب، والهند التي يظهر فيها “أنبياء و آلهة” جدد، وأدعياء حلول آلهة الهندوس فيهم، تحتضن بالمقابل جمعيات “صيادي مدعي النبوة و الألوهية” تحاربهم أينما حلوا وارتحلوا. أما ميرزا غلام أحمد القادياني نسبة إلى مدينة قاديان، فيقال إنه عاش في بيت علم، وكان مصابا بالصرع، وقد جهُر بأنه المهدي المنتظر ثم كونه نبي في 1889 وذلك بعد وفاة والده منتصف الثمانينيات من القرن 19، إذ لم يجرؤ  على ادعاء ذلك في حياته. ادعى غلام أحمد (وتعنى عبد النبي) أنه نبي ورسول، وأن محمدا عليه الصلاة والسلام ليس آخر الأنبياء والرسل. وقد أخذ الاستعمار البريطاني دعوى ظهور المسيح الجديد في قاديان على محمل “الجد“، إذ أن الرجل كان من الطائفة الإسلامية التي تجهر بعدائها لبريطانيا، حيث الدعوة للجهاد ضدها سارية بين المسلمين في ظل الارتباط بالخلافة الإسلامية في الأستانة، أعلن القادياني أن الجهاد ضد الانجليز حرام، وبذلك أبطل الركن الأساسي الذي يخافه الانجليز وهو النضال ضد الاستعمار، ولم يغير شيئا من الصلاة والصوم والشهادة، وزعم أن المسيح عليه السلام توفي، وأنه هو المسيح جاء ليملأ الدنيا عدلا بعد أن ملئت جورا، وهي فكرة قريبة من المهدوية. وزعم أيضا أن الوحي نزل عليه.

وكانت بداية الوحي العجيب هذه الكلمات: (يا أحمد بارك الله فيك. ما رميت إذ رميت ولكن الله رمى. الرحمان علم القرآن لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم ليتسنى سبيل المجرمين قل إني أمرت وأنا أول المسلمين) وواضح أن هذه الكلمات مأخوذة شكليا بالتحريف من الآيات القرآنية الكريمة ومركبة، وأخرى شبيهة بها “قل عندي شهادة من الله، فهل أنتم مؤمنون؟ قل عندي شهادة من الله فهل أنتم مسلمون؟” كما ادعى أن بعض الكلمات والأحلام تأتيه بلغات أخرى مثل :”إيلي لما سبقتني إيلي أوس“. وكانت له تفاسير عجيبة شبيهة بالكلمات “الحرة” التي كانت “تأتي” الباب و البهاء، وسرعان ما تنكر غلام أحمد للمسلمين الذين رفضوا دعاواه، فمنع الزواج منهم والصلاة معهم وأوجب أداء كل قادياني مبلغ 6% من دخله للجماعة.

وقد زعم في عام 1890م أن الوحي هبط عليه مخبرا إياه بوفاة المسيح، وأن تجسده الثاني تحقق قي شخصه “لقد مات المسيح ابن مريم وجئت أنت في صفته حسب الوعد وكان وعد الله مفعولا” والتجسد أو كارما، هي إحدى عقائد الهندوس، فالإنسان، في رأيهم، لا يموت إلا وعاؤه أو جسده، ويتجسد في حياته المقبلة في جسد طيب أو منبوذ حسب أفعاله في حياته السابقة أو حجارة أو شجر، لكن غلام أحمد مزج بين التجسيد وبين المسيح عليه السلام وما جاء به القرآن الكريم حتى يستقطب الأتباع من المسلمين ومن غير المسلمين، لم يكتف بذلك بل ادعى أن كثيرا من آيات القرآن الكريم التي نزلت في الرسول عليه الصلاة والسلام نزلت في حقه هو “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” الآية و “ماينطق عن الهوى” الآية.

كانت بريطانيا التي واجهت عداءا شديدا من الطائفة الإسلامية ورفضا صريحا من المسلمين، قد وجدت في “القاديانية” – التي واجهت نفس العداء- فرصة لمحاربة باقي المسلمين مثلما وجدت في الطوائف الأخرى كالسيخ الذين اندمجوا في أجهزة الأمن الاستعمارية، فرصة لنجاح سياستها التي تعتمد مبدأ فرق تسد، وكانت القاديانية تحتاج بإلحاح إلى الاستعمار الانجليزي ولازالت، أمام الرفض العام للمسلمين لها ومحاربتها بشدة، لذلك أعلن القادياني غلام أحمد، أن محاربة الانجليز حرام، وعندما بدأت معركة الاستقلال التي قادها حزب المؤتمر الهندي والجماعة الإسلامية، وانتهت باتفاق لاهور في 1941، وإعلان التفاهم على تأسيس دولة جديدة تجمع المسلمين في الشرق والغرب حسب مناطق الكثافة الدينية، وبعد 1947 أصبح شرق البنجاب جزءا من الهند وانتقل القاديانيون الذين بلغ عددهم بضعة آلاف إلى الدولة الجديدة باكستان وأسسوا مقرا للحركة وجامعة. مات غلام أحمد المتنبئ في 1908، وخلفه بشير الدين محمود الذي توفي في 1965، فخلفه ناصر أحمد حفيد غلام أحمد فمات في 1982، وخلفه طاهر أحمد الذي مات عام 2004 فخلفه مسرور أحمد.

خلال جميع هذه المراحل أصدر علماء باكستان فتاوى عديدة بتكفير هذه الجماعة واعتبارها نحلة خارجة عن الإسلام. وكانت الحكومات المتعاقبة -خصوصا مع الضغط الغربي- تغض النظر عن ذلك حتى 1977 في عهد الرئيس ذو الفقار علي بوتو (أعدم في 1979) عندما أصدر البرلمان الباكستاني قرارا باعتبار القاديانية نحلة كافرة. وعندما تولى الجنرال ضياء الحق السلطة أصدر قرارا في 1984 بمنع هذه الجماعة فهرب قادتها إلى لندن وعلى رأسهم الخليفة الرابع كما يسمي نفسه طاهر أحمد إلى أن مات في 2004، وتولى قيادتها مسرور أحمد. وقد أسسوا مسجدا صغيرا في لندن وقناة تلفزيونية ومطبعة ضخمة تطبع وتوزع المنشورات بكل اللغات.

تزعم الجماعة أن لها 12 مليون تابع، وهو رقم جد مبالغ فيه، فالأمر لا يتعدى بضعة آلاف من الأفارقة الذين استفادوا من المستشفيات والمدارس التي شيدتها الحركة، وبعض الأوروبيين في ألمانيا والدانمارك خاصة –الذين لا يعرفون مبادئ وتاريخ الإسلام- حيث هاجر القاديانيون بعد نهاية الحرب العالمية الثانية إلى هناك و بنوا بعض المساجد. وهناك بضع مئات من الأتباع في الهند خاصة في ولاية أوريسا. إلا أن الحركة عرفت بعض الأسماء اللامعة في تاريخها مثل السيد ظفر الله خان، الذي كان وزيرا للخارجية في أول حكومة باكستانية برئاسة مؤسس الدولة الباكستانية محمد علي جناح –توفي في 1948- والذي ترأس – أي ظفر الله خان- المحكمة الدولية كما ترأس الدورة 17 للأمم المتحدة، وكان يقول “اعتبروني وزيرا مسلما لدولة كافرة أو موظفا كافرا لدولة إسلامية” كما أن البروفيسور عبد السلام الفائز بجائزة نوبل في الفيزياء (وهو تتويج ملغوم) عام 1979 من أتباع الحركة، والأمر لا يعدوا كون بعض العلماء والمثقفين في مختلف المجالات والتخصصات أعضاء في جماعات معينة، مع العلم أنه لا مجال للمقارنة بين الحركات الصوفية الإسلامية، والجماعة القاديانية التي صدر فيها وبإجماع علماء المسلمين فتوى الكفر مثلها مثل البابية و البهائية والنصيرية و الدرزية.

احتضنت بريطانيا القاديانية منذ نشوئها، بل إنها لها يدا في هذا الإنشاء، إذ منعت أي مساس بها. وقد صدر حكم بالإعدام في 1938 ضد أبي الأعلى المودودي زعيم الجماعة الإسلامية (المتوفى في 1979) في الهند أثناء الاستعمار البريطاني، لأنه عارض القاديانية، وإن لم ينفذ هذا الحكم. وعندما أعلنت القاديانية نحلة غير إسلامية في باكستان، فإن بريطانيا من جديد احتضنت أكثر من 20 ألف قادياني. وجميع قادة هذه النحلة، سواء من الصف الأول أو الثاني أو الثالث يقيمون في بريطانيا ولهم معابد ومؤسسات اجتماعية، ومن خلال التسهيلات البريطانية ينتقل القاديانيون إلى افريقيا لتقديم بعض المساعدات الغذائية. ولما كانوا لا يعلنون حقيقتهم  فالجمهور العادي يعتقد أنهم مسلمون، خصوصا أنهم يقرأون القرآن ويقيمون الصلوات. ويتلقى القاديانيون مساعدات مالية من بريطانيا والدول الغربية. وقد احتضنهم الكيان الصهيوني أيضا، وعقدوا عدة مؤتمرات في مدينة حيفا بفلسطين المحتلة والقاديانيون ليس لهم أي موقف سياسي أو نضالي أو إسلامي ضد أعداء الإسلام كيفما كانوا، فهم يقدمون أنفسهم لليهود و المسيحيين وغيرهم، على أنهم مسلمون مسالمون وليس لهم قضية أو موقف سياسي ما، وفي هذا يلتقون مع البهائية .

وقد شيد القاديانيون معابد يسمونها مساجد في بعض البلدان الغربية كالولايات المتحدة، واسبانيا، و ألمانيا، في محاولة تشجيعية من الغرب للاتصال بالمسلمين المهاجرين الذين قد يخدعون بهذه النحلة، خصوصا أن القاديانيين يظهرون غير ما يبطنون، وقد غيروا اسمهم إلى الأحمديين لمزيد من التضليل؛

مراجع:

ü   منهاج السنة النبوية لابن تيمية أحمد عبد الحليم.

ü   الإسماعيليون تاريخهم وعقائدهم فرهاد دفتري ترجمة سيف الدين القصير، دار الساقي لندن.

ü   الأعراق والطوائف السورية محمد الحمد، دار الطليعة الجديدة دمشق.

ü   الدروز ماكس فون أوبنهايم، ترجمة محمود كيو ، دار الوراق للنشر لندن.

ü   آية الولاية السيد علي الحسيني، مركز الأبحاث العقائدية قم إيران.

ü   شخصيات غير قلقة في الإسلام، هادي العلوي نشر المدى بيروت لبنان.

ü   المذهب الإسماعيلي وفلسفته في الغرب، بوبة مجاني، منشورات الزمن الرباط/المغرب.

ü   الإسلام والمسلمون في الهند، عبد الله العلوي، الشارقة الإمارات العربية المتحدة.

ü   السيخ عقائدهم و تاريخهم إعداد وتعريب دائرة المعارف الهندية، طبع دمشق/سوريا.

ü   موقع البهائيين في الحركات الهدامة، محمد علي كيوة، محاكاة للنشر دمشق/سوريا.

ü   أكبر نامه لأبي الفضل ترجمة للعربية أنجليك بيغينو وآخرين، إصدار هيئة أبوظبي للسياحة الإمارات العربية المتحدة.

ü   العالم الأسيوي، عبد الله العلوي، دار النشر سبو المغرب.

ü   مزديسنا الديانة الزراديشتية، نوري اسماعيل، منشورات علاء الدين/دمشق.

ü   حقيقة البهائية من هم؟ إعداد أميرة فكري هلا للنشر القاهرة/مصر.

ü   فضائح الباطنية لأبي حامد الغزالي ، تحقيق عبد الرحمن بدوي.

ü   البورغواطيون في المغرب، محمد الطالبي/أبراهيم العبيدي، منشورات تانسيفت مراكش.

ü   خرافة الحشاشين وأساطير الإسماعيليين، فرهاد دفتري، ترجمة سيف الدين القصير، دار المدى لبنان.

ü   فصول من تاريخ الإسلام السياسي، هادي العلوي مركز الأبحاث في العالم العربي قبرص.

ü   الهند وجيرانها تاريخ الحضارة، وول ديورانت، الجامعة العربية.

ü   متاهة الحاكمية، هاني مسيرة مركز دراسات الوحدة العربية سلسلة أطروحة الدكتوراه.

 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *