حكومة عبد الله إبراهيم “دجنبر 1958 – ماي 1960”

القائمة البريدية

إشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد الموقع .

*عبد الله العلوي 

عانى عبد الله ابراهيم المفكر السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي و رجل الدولة، من محاولات عديدة لطمس فكره الموسوعي و بالتالي شخصيته الفريدة، إما عن جهل أو نتيجة الصراع الحزبي و السياسي الذي عرفه المغرب بعد الاستقلال،  و حروب الإلغاء الذي مورست ضده من مختلف الفرقاء داخل النظام أولد بعض الأحزاب و الشخصيات لتميزه الايجابي فكريا و سياسيا.

في هذا المقال نستعرض جانب مهم من شخصية عبد الله ابراهيم كرجل دولة مارس الفعل السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي من خلال تبوءه منصب رئيس الحكومة:

لم تعرف أي حكومة في تاريخ المغرب وعددها حتى اليوم- 28 حكومة – الشهرة التي اكتسبتها الحكومة الوطنية التي اشتهرت باسم رئيسها الراحل الأستاذ عبد الله إبراهيم- توفي عام 2005 – و ذلك نظرا لجليل أعمالها الاقتصادية والاجتماعية و القانونية ووضعها برنامجا خماسيا لأول مرة في تاريخ المغرب لم يكتب لها انجازه كاملا لعدة أسباب يختلف الفرقاء في المغرب حولها، لكن ما لا يختلف فيه الجميع أهمية هذه الحكومة في تاريخ المغرب، لقد لعب رئيسها الدور الأساس والأهم في وضع حكومة ذات برنامج وطني واجتماعي و اقتصادي مضبوط يتجاوز الصراعات الحزبية و السياسية و الذاتية التي طبعت باقي الحكومات في تاريخ المغرب، رغم أن هذه الحكومة عرفت قدرا ضخما من التشويش و المعارضة الإعلامية و الحزبية في ظروف الإضرابات و الملابسات التاريخية التي أحاطت بتكوينها، فقد ظهرت هذه الحكومة في ظروف عصيبة تتمثل في فشل حكومة الراحل الأستاذ احمد بلافريج – توفي في 1990- وحدوث شبه انشقاق أولي في حزب الاستقلال بظهور ما سمي بالجامعات المتحدة لحزب الاستقلال التي تحولت إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، تضاف إلى ذلك، قيام حرب الريف، و إنشاء جرائد خاصة هدفها التشويش على الحكومة مثل جريدة الأيام التي بدأت مع تكوين الحكومة و انتهت مع إقالتها.

هذه العوامل – و كلها موضوعية – واكبت إنشاء ما يمكن اعتباره أهم حكومة في تاريخ المغرب، بل بعض المحللين ذهبوا إلى أن تلك الحكومة كانت نتيجة مباشرة لتلك العوامل الموضوعية.

و تعزز إنشاءها – كما أكد رئيسها نفسه الراحل عبد الله إبراهيم – بوجود علاقة شخصية وثيقة متبادلة بينه و بين المغفور له جلالة الملك محمد الخامس؛ ولعل في هذين العاملين الذاتي و الموضوعي ما يذكر بحكومة الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي الأولى سنة 1998.

لمحـة عن الـرئـيس

ولد عبد الله إبراهيم بمراكش في سنة 1909 على الأرجح، و تابع دراسته إلى أن تخرج من جامعة ابن يوسف، ثم انتقل حوالي 1945 أو 1946  إلى جامعة باريس حيث درس العلوم الاقتصادية و السياسية ، و كان البحث الذي قدمه عند نهاية دراسته حول العلاقات الدولية. و بقي يدرسها و يشرف على رسائل الدكتوراه في الجامعة المغربية في هذا المجال إلى حين وفاته. وقد ساهم من موقع قيادي في تأسيس و إنشاء الحركة الوطنية ووقع على وثيقة الاستقلال في 1944، و كان من قادة حزب الاستقلال ، و شارك في إنشاء خلايا الحركة الوطنية في الجنوب و كان الموجه الفكري و الثقافي لخلايا المقاومة. و كانت محاضراته خاصة في مراكش في 1949 ، و في تازناقت في 1951 أثناء سجن قادة الحركة الوطنية بها حول الاقتصاد في تلك المرحلة و الاختلاف بين النظرية الماركسية و النظرية الرأسمالية،  و أزمات الراسمالية و طبيعتها الاستغلالية والامتلاك العام لوسائل الإنتاج و التجربة السوڨياتية. و كان المرحوم الحسين الورزازي أحد الموقعين على وثيقة الاستقلال اكثر من يطرح الأسئلة في الموضوع الاقتصادي  و الاختلاف بين المدارس الاقتصادية ( من حديث شفهي مع مولاي عبد السلام الجبلي ) خصوصا في فترة ما قبل نفي الملك محمد الخامس إلى مدغشقر في 1953 – و ساهم الراحل في تأسيس الوجه الثقافي للمغرب عبر كتاباته المتعددة في الشعر نقدا و إبداعا، كما كان أول من كتب القصة القصيرة “الخادمة”، وضع مقدمة ديوان شعري و منها:  ” أحلام الفجر للأستاذ عبد القادر حسن” كما وضع عدة مؤلفات “صمود وسط الإعصار”، “تاريخ العلاقات الدولية”، “أوراق من ساحة النضال”، “أمام قضية الصحراء”، – باللغتين العربية و الفرنسية – “بالذكاء و قوة الكلمة”، “نداء الحرية”، “الإسلام في آفاق سنة 2000″، وكتاب عن ابن رشد بالإضافة إلى مئات المحاضرات الثقافية حول الفلسفة الألمانية والهيجلية، و المحاضرات السياسية  والافتتاحيات في جرائد العلم والتحرير والاتحاد الوطني والاتحاد الوطني للقوات الشعبية و مغرب انفورماسيون… ومنذ حركة اللطيف في الثلاثينات انخرط الراحل في العمل النضالي مابين 1936 حتى تاريخ الاستقلال 1956 ، وتعرض للاغتيال عدة مرات من طرف الاستعمار مع النفي خارج المدينة.

تولى الراحل عدة مناصب وزارية في حكومة المرحوم مبارك البكاي الأولى سنة 1955 فقد تولى مهام كاتب الدولة في الأنباء ، ثم في الحكومة الثانية سنة 1956  تولى منصب وزير الشغل، وفي 1959 تولى منصبي رئيس الحكومة ووزير الخارجية ، وبعد إقالة حكومته تولـى التدريس الجامعي إلى حين وفـاته رحمه الله في 2005 . و قد تميز الراحل بأخلاق عالية وزهد في ملذات الحياة يصل إلى درجة الصوفية ، و اكتفى براتبه كمدرس و رفض تسلم التعويضات الوزارية باعتبار أن “الأجر مقابل للعمل”، و كان يتنقل على وسائل النقل العامة. و قد تزوج الراحل مرتين، و أنجب من زوجته الأولى طفلين : ابنه البكر الذي توفي أوائل سبعينات القرن الماضي ، و بنت اسمها زينب توفيت في ثلاثينياته و هي في سن الثانية بعد صدمة مرعبة تعرضت لها الرضيعة وأمها إثر هجوم أعوان الاستعمار على منزل المناضل . و بعد وفاة زوجته الأولى تزوج الراحل للمرة الثانية ورزق بأربعة أبناء.

المهام الوزارية:

تولى الراحل حقيبة الأنباء في أول حكومة مغربية 7/12/1955- 25/10/1956 وكان قبوله بهذا المنصب الصغير مثار تعليقات، فقد كانت كتابة الدولة في الأنباء ملحقة برئاسة الحكومة. و حسب بعض الآراء فإن الضغط الذي مورس على عبد الله إبراهيم للمشاركة في الحكومة كان الهدف منه إظهار الإجماع الوطني، و في رأي مولاي عبد السلام الجبلي أن الذي مارس الضغط هو المرحوم عمر بن عبد الجليل، رغم انه شخصيا – أي الجبلي – مع جماعة من المناضلين حاولوا إثناء الراحل من المشاركة في الحكومة و وجهوه إلى صرف الاهتمام بالحزب. لم تستمر هذه الحكومة طويلا إذ بعد احد عشر شهرا، ستعين حكومة جديدة يتولى فيها الأستاذ عبد الله إبراهيم منصبا جديدا هو وزارة الشغل و الشؤون الاجتماعية. وهذه الحكومة برئاسة المرحوم البكاي استمرت من 28 أكتوبر 1956 إلى غاية 16 ابريل 1958 تألفت الحكومة الأولى من 18 عضوا، والثانية من 16 عضوا، أما الثالثة 3/12/1958 فقد تألفت برئاسة المرحوم احمد بلافريج فأعضاءها 10 فقط و لم يكن ضمنهم الراحل عبد الله إبراهيم .

في دجنبر 1958 أعفيت حكومة الأستاذ بلافريج بناء على استقالتها، و تم تعيين عبد الله إبراهيم رئيسا للحكومة الرابعة في تاريخ المغرب..

الحــكـومــة

تألفت حكومة عبد الله إبراهيم في يوم الأربعاء 24 دجنبر 1958 من 11 عضوا و هم: عبد الله إبراهيم رئيسا للحكومة ووزيرا للخارجية، و عبد الرحيم بوعبيد نائبا للرئيس و وزيرا للاقتصاد الوطني و المالية، محمد أبا حنيني وزيرا للعدل، و إدريس المحمدي وزيرا للداخلية، ومحمد عواد وزيرا للدفاع الوطني، وعبد الكريم بنجلون وزيرا للتربية الوطنية، والتهامي عمار وزيرا للفلاحة، و عبد الرحمان عبد العالي وزير الأشغال العمومية، و يوسف بلعباس وزيرا للصحة، ومحمد المدبوح وزيرا للبريد، ومحمد المعطي بوعبيد وزيرا للشغل.

و رغم أن الحكومة لم يكن لها طابع حزبي و لم يكن يجمع أعضاءها فكر معين، إلا أن الانسجام حصل بين اغلبهم، وكانت الخطة الأولى إزالة القواعد العسكرية الأجنبية، والعمل على وضع مخطط فلاحي معتمد على الدراسة الطبوغرافية، لان عناصر الاستعمار استولت على جميع الوثائق المتعلقة بالأراضي الفلاحية، ثم وضع مخطط خماسي يشمل برنامجا لمدة خمس سنوات لتأهيل المجتمع المغربي في جميع المجالات، و وضع برنامج صناعي خاصة في الريف و التهييئ لمعمل الناظور وتنويع الزراعة في الريف وتحويلها إلى الشاي على الأخص، وضع مخطط مركب الحديد بالناظور. وتأسيس بنك حكومي لتمويل التجارة الخارجية، وتأسيس صندوق الإيداع والتدبير و وضع قانون الضمان الاجتماعي، و وضع مدونة القوانين في مختلف المجالات المدنية والجنائية، واستقلال الدرهم المغربي عن التبعية للفرنك الفرنسي وتأسيس بنك المغرب وتوزيع الأراضي على الفلاحين.

لقد كانت كل هذه القرارات والأعمال من منجزات حكومة الراحل المنسجمة؛ وكان الدافع الأساسي من ورائها هو الراحل نفسه، قد يقول البعض أن هذا الوزير أو ذلك كان وراء قانون معين، لكن الأمر لا يستقيم لكون هؤلاء الوزراء كانوا شغلوا نفس المناصب في حكومة الراحلين بلافريج و البكاي، ولم يقوموا بهذه الأعمال في الحكومتين مما يتـأكد معه  أن جميع القرارات صدرت بـرؤية خـلاقة من فكر ثاقب للراحل، الذي تمتع دائما بذكاء استثنائي وقوة شخصية وبعد نظر وثقـافة عـالمة، دون أن نغفــل أن أعضـاء الحكومة في اغـلبهم كانوا على انسجـام وتمتعوا بخاصية الرغبة في العمل من اجل المصلحة الوطنية، و العمل نظرا للجو العام الشعبي و السياسي.

كانت الحكومة قد تأست في غياب المجلس الاستشاري المعين سابقا، وكان بمثابة برلمان غير منتخب يراقب أعمال الإدارة والذي أقيل وكان برئاسة الراحل المهدي بنبركة، و الذي تألف من مختلف أطياف المجتمع المغربي و رغم طابع التعيين، فقد كان له دور إشعاعي و احترام من طرف الشعب المغربي، إلا انه لم يكن له وجود أثناء هذه الحكومة وان كان لأعضائه السابقين دورا مؤثرا في المجتمع.

كما لعب نفس الدور الاتحاد المغربي للشغل بزعامة الراحل المحجوب بن الصديق (المتوفي في 2011 ) النقابة الوحيدة بل إحدى أهم المؤسسات الوطنية. وقد جمعت الاتحاد المغربي للشغل والاتحاد الوطني للقوات الشعبية – المؤسس في 1959- علاقة تاريخية ربطت ووجهت الزعيمين عبد الله إبراهيم والمحجوب بن الصديق، الذي كان له دور مؤثر في جميع الأحداث الوطنية التي عرفها المغرب حتى وفاته في 2011.

واجهت الحكومة الوطنية هجوما شرسا من مختلف التنظيمات السياسية، بل تم تأسيس هيئات وجرائد لمهاجمتها وعرقلة أعمالها، مع سيل من الإشاعات والتحريض ضدها من طرف الموظفين والعمال, ونشر البلبلة عن طريق الجرائد و التجمعات، إلا أن الأغلبية كانت مطمئنة لهذه الحكومة لوجود الراحل على رأسها وهو المعروف بالنزاهة و الوطنية. فلم تثنها الصراعات عن القيام بالواجب خصوصا أن المرحلة كانت دقيقة، وكان الجميع يطلب من هذه الحكومة الكثير، بل أحيانا أكثر مما تسمح به الإمكانيات. و يجب أن نستحضر المرحلة، حيث الجماهير خرجت من مرحلة الاستعمار – 1912 -1956 إلى الاستقلال مع مطالب و آمال ضخمة، و كانت الحكومة في حاجة إلى مرحلة زمنيـة حـددتها في المخطط الخماسي كمرحلة أولية، لتهييئ البنى التحتية على جميع المستويات، ورغم عدم وجود دستور يحدد السلطات إلا أن الحكومة تمتعت بسلطات واسعة، خصوصا في المجالات الاجتماعية و الاقتصادية و الإدارية و التشريعية، باستثناء المجالين الأمني و العسكري، مما سمح لها بالقيام بأعمال رائدة تعتبر علامات مضيئة في تاريخ المغرب.

لا وطن للعبيد و لا حرية للجائعين

لن نشير إلا لبعض الانجازات و المؤسسات التي عملت الحكومة على إنشائها مثل: الضمان الاجتماعي و صندوق الإيداع و التدبير و تأسيس بنك لتمويل التجارة الخارجية،  و إصدار قانون الحريات العامة و قانون المسطرة الجنائيــة، وإجراء مسح طبوغرافي للأرض الزراعية و وضع المخطط الخماسي، الذي كان من أهم أهدافه نقل المغرب من دولة فلاحية إلى مرحلة التصنيع، و ذلك، عبر تحديث الزراعة وإنشاء المركب الصناعي بالناظور، الذي نتج عنه تأسيس الصناعة  الحديدية في المغرب من جرارات و أدوات، وقد أشار خطاب العرش للمغفور له محمد الخامس في 18 نونبر 1959 إلى “منح صغار الفلاحين قطعا أرضية (…) و عملية الحرث لتجديد فلاحتنا باستعمال المعدات الآلية ..”

و أكد فيما يتعلق بالتصميم الخماسي ” سنواصل ما بدأناه هذه السنة لتحرير اقتصادنا و نشرع في تطبيق التصميم الخماسي “

و التصميم الخماسي تم وضعه من مختلف الفعاليات الاجتماعية و الاقتصادية والحزبية و النقابية، و كانت الحكومة ترى أن فترة خمس سنوات كافية لتهيئ المغرب اقتصاديا و اجتماعيا، لإجراء أول انتخابات برلمانية بعد أول انتخابات بلدية و قروية  في تاريخ المغرب، وذلك، في 1960 و التي لم تكن محل أي طعن.

كانت أمام الحكومة مهام ضخمة أولها التأسيس للعديد من الهيئات و المؤسسات الثقافية كالمجلس الأعلى للثقافة، و المجلس الأعلى للثقافة الشعبية، و وضع قانون يتعلـق بالإنتـاج السينمائـي، و وضع قوانيـن في المجالات الفـلاحية والصنـاعـيـة، وتوطئة و برمجة سياسة خارجية مناضلة و تحرير وتأهيل المناطق المغربية، التي لازالت تعاني آثار الاستعمار كطرفاية و سيدي افني أو المستعمرة -الصحراء و الثغور البحرية و سبتة و مليلية-. لذلك، ارتكزت السياسة الخارجية في بعدها الإفريقي و العربي و الإسلامي و العالمي، على هذا البعد النضالي و مساندة حركات التحرر العالمية و إزالة القواعد الأجنبية خاصة الأمريكية .

إلا أن الحكومة لم تستمر طويلا فبعد 18 شهرا في الحكم، تمت إقالة الحكومة وهي الحكومة الوحيدة، التي تم إنهاء مهامها بالإقالة، و ذلك، ناتج عن عوامل مختلفة هي محل نقاش و جدال من مختلف الأطراف الوطنية. غير أن حكومة الراحل تركت بصمات مؤثرة في تاريخ المغرب الحديث للذين ” ينصفون و لا ينسفون ” كما قال الراحل في إحدى حفرياته.

*باحث

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *