اللغة والتنمية البشرية

القائمة البريدية

إشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد الموقع .

*عبد الله العلوي

واجهت الصين في مرحلة ما، مشكلة المعرفة عن طريق أداة مشتركة أي لغة مشتركة، ولما كانت اللغة الصينية لا تتوفر على حروف أبجدية، إذ هي مجرد رموز تبلغ حوالي 5000 رمز أو تعبير- ولهجتين الرَّبْعِية والماندرين، فقد تم توحيد اللهجتين في لغة فصحى، وتحيين الرموز في عدد محدد، واعتماد الأرقام العربية، فصارت كل العلوم من طب وهندسة وكل التقنيات تُدرس باللغة الصينية، التي لم تكن لغة حضارة أو علوم أصلا، بل لغة مغلقة لشعب وحيد.

وليس الأمر يتعلق بالصينية وحدها، فالرومانية والفنلندية والكورية والڤيتنامية حُينت أحرفها أو تعابيرها، فصارت هي الأخرى أداة تدرس بها العلوم والآداب وغيرها دون أن يتهم به أحد لغته بما يتهم البعض عندنا لغتنا الجميلة، التي كانت حتى القرن 15 لغة الحضارة الإنسانية، حيث كانت العلوم تدرس في أوروبا باللغة العربية.

إن مجتمع المعرفة لن يتحقق إلا بأداة فصحى ولغة مشتركة، وإن كل الدول التي حققت تنمية بشرية استعانت بلغتها الفصحى، ونشرتها عن طريق التمدرس والتعليم العالي والحواسيب والشبكة العنكبوتية، فتبادل المعلومات يجب أن يكون بلغة واحدة فصحى، هي بالنسبة لنا العربية الفصحى، التي فضلا عن عروبتها هي لغة صرفية واشتقاقية تتوفر على مصطلحات في العلوم كلها، كما هي لغة حوالي 700 مليون نسمة، ويلم بها أكثر من ملياري مسلم. وبأبجديتها تكتب لهجات ولغات منها الفارسية والأردو والبوشتو والكردية والتركمانية وغيرها، وهي اللغة الأولى التي وحدت العالم في مرحلة ما من التاريخ، خاصة في ميدان العلوم باعتبارها لغة حضارة، وهاهي اليوم تواجه هجوما غير علمي، بل هو سياسي يرتبط في جانب منه بظاهرة الإسلام – فوبيا، وفي جانب آخر بالجبهة الفرانكفونية التي لم تعد لغتها أصلا لغة علم حتى في عقر دارها.

ومن المؤسف أن يتدخل الأجانب في فرض لهجة أو لغة أجنبية في بلد يتمتع بلغته الوطنية الفاعلة، والأدهى، أن بعض الصحف والمجلات الفرنسية في بلدنا تعود ملكيتها -كما يشاع- ليهودي فرنسي يدعى”جان لوي سيرفان شرايير”، وهي صحف كتبت التاريخ الهجري لا تعنى بالقضايا العربية و لا الإسلامية، تتدخل في الموروث اللغوي الوطني “بغيرة” حماسية من أجل توجيه التعليم في البلد؛ والأخطر أن بعض المسؤولين الذين لا علاقة لهم بالتعليم العمومي لا مع أبنائهم ولا في منازلهم، يتدخلون من موقع المسؤولية في نشر الفوضى اللغوية، وتقليص دور أبناء الشعب في التنمية البشرية، حتى قال أحدهم: إن الطفل المغربي يشعر “بصدمة” عندما يكتشف اللغة العربية في المدرسة؛ ومفهوم المخالفة، أن هذا الطفل لا يشعر بالصدمة إذا ما سمع الفرنسية! وهذا أمر يدل على غياب أبجديات الفكر السليم عند البعض، فالطفل المغربي دأب على أن يدرس في الكتاب القرآني قبل ولوج المدرسة، ويسمع اللغة العربية في رُقيها وعُلوها.

إن السياسة اللغوية التي اتبعتها الدول اليوم سواء في الصين أو كوريا أو ڤيتنام أو غيرهم، ترتكز أولا، على نشر اللغة في المدارس والقضاء على الأمية، وتفصيح اللغة في الإعلام البصري والسمعي والمحوسب، فلا يتعلل الباحث بانعدام أو صعوبة الفهم للوصول إلى المعرفة، التي هي عملية تشمل مختلف نواحي الحياة، وترتكز على سياسة لغوية واضحة لبناء مجتمع المعرفة باللغة الأم، وتلقين الأسس اللغوية عبر الحضانات والكتاتيب و مراكز التعليم الأولي، وعن طريق محاربة الأمية وعن طريق البرامج السمعية البصرية، فكلما كانت الأداة اللغوية موحَدة وموحِّدة صارت العملية العلمية والإبداع العلمي والأدبي أسهل، وعلماء الإإقتصاد يعتبرون اللغة عملة لتبادل الأفكار، تسهل توزيع كل شيء من المعلومة حتى السلعة شرط التوحد والتعليم العام وتعميمه، فضلا، عن كون اللغة تقوم بتخزين هذه الأفكار في الوسائط الكتب وغيرها، وتنقلها في البلد بيُسر وتمنح الأمة أو الشعب أداة واحدة موحدة يسهل التواصل بها، خاصة، إذا تعلق الأمر باللغة العربية لغة القرآن في بلد يَعتبر القرآن دستوره، و ينص دستوره على أنها اللغة التي يجب التخاطب بها، ويمنح الشعب والبلد قوة في مواجهة الخصوم، وحصانة ثقافية عامة في المنعرجات التاريخية.

إن انحراف السياسة اللغوية عن هذا المسار هو ما أدى إلى هذا التردي، الذي آل إليه المجتمع، وإلى خروج البعض لمواجهة الأمة بدفوع غير علمية أصلا، خلفيتها الفوبيا وليس العلم، ولتأكيد ذلك يمكن الرجوع إلى العديد من التقارير والدراسات المنشورة بهذا الصدد ومنها: برنامج الأمم المتحدة / تقرير التنمية البشرية 2009 “قابلية التنقل البشري والتنمية”، الأمم المتحدة 2009، وإلى كتاب فلوريان كولاس “اللغة والإقتصاد” عالم المعرفة الكويت العدد 263، كما يمكن الرجوع إلى دراسة الجمعية الأمريكية للجينات البشرية المنشورة في مجلتها العلمية الشهريةAmerican Journal Of Human Genetics، والإطلاع على الدراسة التي قامت بها الجمعية الأمريكية للجينات البشرية ونشرتها أيضا مجلة:  Le Point انظر الرابط : www.lepoint.fr، ومقال الدكتور مارتن ريتشاردز Martin Richards والبحث الذي قامت به جامعة ليدز عن الدور العربي العلمي والبشري منذ القدم وحتى الآن.

*بــاحــث

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *